
الشيخ محمد عمراني- أوتاوا
تشكل قضية إعادة إحياء الموتى بعد فنائهم وبليهم تحدياً كبيراً للعقل البشري فهو أمر مذهل يشكل عند الإنسان المؤمن قلقاً معرفياً وفضولاً كبيراً لرؤية هذه الأعجوبة كيف يعود العظم البالي جسداً كاملا غضاً طرياً نضرا متكلماً. حتى أن إبراهيم ع حدا به فضوله وذهوله أن يسأل الله تعالى ( ربي أرني كيف تحيي الموتى؟) حتى يطفئ غليل فضوله وجذوة قلقه ويطمئن عقله الذي ما توقف يتصور هذه المسألة المهولة. إبراهيم ع لم يسأل ربي هل تحيي الموتى؟! هو مؤمن بذلك لكن يريد أن يرى كيف.
وقبل ذلك سرد اعتراضات المنكرين على المسألة.
" أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد". باستغراب يعترض المنكرون على فكرة البعث، هل يحصل هذا بعد تحولنا إلى تراب؟؟!! لا هذا أمر بعيد لا يمكن تحققه.
" وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت". نعم هم بعد مراجعات مرتكزاتهم الذهنية لا يمكنهم إلا إنكار المسألة بعد عدم قدرتهم على تصورها.
" وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد". وهنا يظهر الاستهزاء بإخبار النبي (ص).
لذلك ولمعرفة الله تعالى بأن فكرة المعاد أمر لا يتعقله الإنسان لو خلي دون إخبار الله له فقط ساق الله تعالى مسلكين من الاستدلال على البعث والمعاد مسلك مادي ملموس ومسلك عقلي معنوي.
أولاً - المسلك المادي المحسوس والمشهود أيضا على ثلاثة أقسام:
1- أدلة مادية مضى حدوثها:
القرآن الكريم أخبر بوقوعها في الماضي وهي قصة الرجل الذي أماته الله تعالى 100 عام ليثبت قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
قال تعالى:" أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه"
2- أدلة مادية ما زالت قائمة:
تتركز هذه الأدلة على إجراء تفكر وقياس بين أحداث واقعة والبعث.
قال تعالى:" وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة" عملية ربط بين قدرة الله تعالى على خلق الإنسان من اللاشيء وقدرته على إحيائه بعد موته فالقادر على الخلق ابتداء قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان بعد وفاته.
" ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إنّ الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير" كما رأيتم كيف أحيى الله تعالى أرضاً ميتة كذلك يبعث الله تعالى الإنسان بعد موته.
" أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلّاق العليم" تفكر أيها الإنسان بهذا النظام الكوني العظيم الدقيق الذي يدل على قدرة لا متناهية لهذا الخالق العظيم فهكذا خالق يمكنه إحياء الموتى وبعثهم.
3- أدلة مادية مستقبلية:
أيضاً أخبرنا الله تعالى عن مستقبل المكذبين يوم القيامة.
" ولو ترى إذ وُقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نُرَدّ ولا نُكذِّب بآيات ربنا ونكونَ من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يُخفونَ من قبلُ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون "
ثانياً- المسلك العقلي المعنوي:
اعتمد أيضاً اتجاهين:
1- حكمة الله تعالى:
أيضاً المتفكر في هذا الكون العظيم يدرك الحكمة والغائية الموجودة فيه فلا يمكن أن يكون لكل شيء غاية من إيجاده إلا الإنسان خُلق عبثاً يحيى ويموت دون أن يُحاسَب على أفعاله.
" أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"
" وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين"
فلا بد من وجود البعث والمعاد وفقاً للحكمة الإلهية.
2- عدل الله تعالى:
لا يمكن للعادل أن يساوي بين المؤمن والكافر وبين الظالم والمظلوم فهذا لا يقبله لا عقل ولا شرع.
" أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفُجّار"
" أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون".
وغيرها الكثير من الآيات التي قدمت الاستدلالات بشكل مناظرات وقصص واحتجاج ليحث العقل البشري على متابعة التفكر والتدبر وابتداع أمثلة جديدة حسية وعقلية على المعاد والبعث لأن الإيمان بهذا الموضوع يؤثر على سلوك الإنسان فمن يؤمن بأنه سيُحاسب على أفعاله وأقواله لا يستوي مع من لا يؤمن بذلك.