طلال طه ـ مونتريال
وبالأحرى، غزة بعيون كندية!
غزة.. وتقرأ في الإسلام كربلاء، وخيبر في قراءات أخرى، وتقرأ في المسيحية مسيرة الآلام أو معمودية الدم.. ومريم، وتقرأ بلغات أخرى تحدث بها الفلسطينيون عبر التاريخ.. ولهم في الحفريات والأركيولوجي أدلة وبراهين!
نبدأ من موقع كندا على الخارطة السياسية لمرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات، وتفرد أمريكا في قيادة العالم، والتحاق كندا بأمريكا كمقاطعة رقم 52.. إلا فيما ندر!
كندا – حكومة ودولة عميقة، حزب الليبرال وترودو تحديدا، يموتون عشقا بدولة الكيان، لم تتجرأ الحكومة الكندية ووزيرة خارجيتنا على استعمال "انسانيتها" المتعثرة على أبواب المستشفيات وأمام جثث الأطفال.. لتخرج بموقف مشرف يعيد كندا الى أيام ترودو الأب!
وزيرة خارجيتنا، ميلاني جولي.. سابقا قال شاعرنا الكبير مظفر النواب، ونقول لك بلسانه: كيف يحتاج دم بهذا الوضوح.. الى معجم طبقي لكي نفهمه!
أكثر وأسوأ من ذلك، يوم الجمعة الفائت، طرد ترودو من ثلاث مساجد على خلفية مواقف الحكومة الكندية المخزية من الحرب على غزة والفلسطينيين، ونحن لم نكن لنرضى لحزب الليبرال هذه النهاية المؤسفة لعلاقته مع الجالية العربية والإسلامية!
لقد أحببنا هذا الرجل وتوسمنا فيه والده، ومواقف والده من قضايانا وقضايا العالم الثالث في فترة بخيلة من تاريخ كندا التي تبنت دولة الصهاينة منذ تأسيسها!
لا يكفي القول ان كندا تؤمن بحل الدولتين على أرض فلسطين، فبعد حرب غزة والانتصار الكبير الذي حققته المقاومة، على المجتمع الدولي أن يقنع الفلسطينيين بحل الدولتين!
فاللاهثون وراء حل الدولتين لن يجدوا شريكا حقيقيا يفاوضهم حول هذه النكتة!
هل يمكن تصحيح الوضع مع أحزابنا السياسية في كندا، والليبرال تحديدا؟
نعم، ربما، وعلينا ألا نيأس، فالرأي العام الكندي يتعاطف مع القضية الفلسطينية، وهو يعبر عن انسانيته بأريحية وانسجام مع نفسه وطويته الصادقة التي نعرفها!
في أوضاع طبيعية، حين تكون المقدرات متساوية أو قريبة من التعادل، وحين تكون الخيارات مفتوحة، نتحدث عن صناديق الاقتراع، فهو المحل الطبيعي في "الديموقراطيات" الغربية لمعاقبة المخطئ والمجرم والمتواطئ..
في أوضاعنا الحالية، ليس لنا الا الحلم، والبناء على ما تقدم، استعدادا لجولة قادمة، حينها سيكون قد فات أوان الحديث عن حل الدولتين، وما سيجري هناك، في القدس والجوار، لن يترك لنا وقتا مديدا لكي نخرج الى الشارع للتضامن.. بل لإعلان: دولة فلسطين، من الماء الى الماء!
ثم نعيد السؤال: هل يمكن تصحيح الوضع؟
نعم، على مستوى التعاطف الإنساني، وربما بعض المساعدات الخجولة.. لعل وعسى!
ولكن على المستوى السياسي، فالأمر أعقد بكثير، وربما يحتاج للكثير من المجازر التي تحرك الرأي العام الشعبي، الذي بدوره قد يسعى للتغيير الحكومي.. تغيير، الى أين؟
نحو المحافظين، مع المحافظين سوف نترحم على أيام ترودو، نتذكر جيدا ستيفن هاربر ووزير دفاعه جيسون كيني ومواقفه الى يمين اليمين الإسرائيلي!
نحو الديموقراطيون الجدد؟
لن نقفل الباب أمامهم، لنبق الباب مواربا.. ولنتابع حفلة الجنون التي يمارسها الصهاينة على شاشات التلفزة، مباشرة، من البيوت الآمنة والمستشفيات والكنائس والمساجد والأسواق والمدارس.. الى الشاشة مباشرة، أفلام عنفية ينصح بعدم مشاهدتها لأصحاب القلوب الضعيفة!
* * * * * * * * * *
ونسأل ببراءة، وحسن نية، رأفة ورحمة بالغاصبين واللصوص والمرتزقة والقتلة والمجرمين المتلطين خلف كيان هجين اسمه "إسرائيل"..
نسأل، لماذا لا تفتح كندا، الحكومة الكندية ووزارة الهجرة، حزب الليبرال وترودو تحديدا أبواب الهجرة للصهاينة والإسرائيليين؟..
ألسنا معنيين بمعاناتهم، وهم يلاحقون منذ 1948 وربما قبل ذلك، ملاحقون من قبل الضحايا.. ضحايا هشمت عظامهم وأسيلت دماءهم وقطعت اشلاءهم، وهم رغم مآسيهم التي فرضت عليهم.. يأتونهم (الصهاينة) في منامهم وأحلامهم.. ويقظتهم، من البر والبحر والجو ومن تحت الأرض!
خدمة لهم أولا، وللتخفيف من معاناتهم وعدم جرهم واضطرارهم لقتل الأطفال، وخدمة لكندا أيضا، في استرجاع الوجه الحضاري والإنساني لها من جهة، ولسد النقص في الأيدي العاملة من جهة ثالثة!
شعب معذب كهذا – صهاينة اسرائيل، يستحقون الحياة.. فلنستقبلهم في كندا، لدينا مساحات واسعة من الأرض – أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، ولدينا مقدرات كثيرة وكبيرة، ويمكن القول أن مساحات كبيرة من الأرض من التي كانت للسكان الأصليين من الهنود الحمر، يمكن إعادة توزيعها، وإقامة مستعمرات ثابتة كأرض ميعاد جديدة، على حرارة تحت الصفر – هذا هو الفرق الوحيد!
فالتقارير الأكثر تفاؤلا تتحدث عن نقص في العمالة لا يمكن تعويضه خلال السنوات العشر القادمة، حوالي 871600 وظيفة شاغرة في مختلف القطاعات والاختصاصات: 156800 وظيفة في قطاع المطاعم والغذاء، 121300 وظيفة في قطاع الصحة، أكثر من 100000 وظيفة في قطاع البناء، أكثر من 100000 وظيفة في قطاع الصناعة، أكثر من 30000 وظيفة في قطاع التعليم، حوالي 50000 وظيفة في قطاع الزراعة، حوالي 30000 وظيفة في مجالات التكنولوجيا، ونقص كبير في كثير من المهن والاختصاصات وغيرها كثير (بعض الأرقام تحتاج الى تعديل حسب الاحصائيات الحديثة)..
أي أننا نتحدث عن حوالي مليون وظيفة شاغرة، وإذا كنا نتحدث عن عائلات من أربع أشخاص من الاسرائيليين، فبإمكان كندا أن تستوعب 4 مليون شخص على الأقل لسد حاجتها من المهن والشواغر المذكورة، وإذا أضفنا إليهم المتمولون ورجال الأعمال والمرتزقة وهم بعشرات الألاف، فنحن نتحدث عن مليون آخر!
فها نحن، بجرة قلم نكون قد أنقذنا أكثر من 5 ملايين إسرائيلي من معاناتهم في الشرق!
ثم أن اليد العاملة "الإسرائيلية" كفوءة، ومتعلمة، وتجيد مجموعة من اللغات، وهم لم يتأخروا في إثبات ولائهم لكندا باستخدامهم جواز السفر الكندي في محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن، واغتيال المبحوح في الامارات، وهم يدخلون الى الكثير من الدول العربية بصفة كندية لا تثير الكثير من الشبهات!
خدمة لهم أولا، وللتخفيف من معاناتهم وعدم جرهم واضطرارهم لقتل الأطفال، وخدمة لكندا أيضا، في استرجاع الوجه الحضاري والإنساني لها من جهة، ولسد النقص في الأيدي العاملة من جهة ثالثة!
طبعا لن نطالب بأن تتحمل كندا كل عبء الهجرة العكسية للصهاينة، فهناك أمريكا، التي ألغت فيزا دخول الإسرائيليين اليها حيث ان عشقها للصهاينة أكثر صراحة ووضوحا ووقاحة، فجنوب وشمال كارولينا – كما ذكر بشار الجعفري، السفير السوري في الأمم المتحدة - أمكنة آمنة ومستقرة وفيها متسع من الأرض، ويمكن حمل السلاح بدون ترخيص كما في المستعمرات في فلسطين، ويمكن استعمال السلاح وتجربته بالملونين من البشر والحيوانات والطيور والأهداف الثابتة والمتحركة، وهذا يعتبر جزءا من الثقافة الأمريكية التي تنسجم مع الثقافة الصهيونية، ثقافة الـ yankee و red neck و Hill Billie’s!
وبالمناسبة، قد نطمح في كيبك في الاستئثار بالمهاجرين الناطقين باللغة الفرنسية والعلمانيين والملحدين.. والمثليين، إغناءا للثقافة الكيبكية، وانسجاما مع سياسات مرفوضة من أغلب المجتمع الكيبكي!
طبعا سوف يتسلل مع المهاجرين العاديين الذين غرر بهم واقتلعوا من شرق أوروبا وشمال أمريكا وافريقيا ومن البلاد العربية ووسط وجنوب أمريكا، اقتلعوا تحت عنوان الهجرة لأرض الميعاد، ولأرض بدون شعب لشعب بدون أرض!
سوف يتسلل مجرمو الحرب والمرتزقة والقتلة والسفلة وكل حثالات الأرض، وسوف يتسلل بينهم ومعهم المجرم الذي أخذ القرار والذي أطلق النار على مستشفى المعمداني وعلى الكنيسة في اليوم التالي..
سوف يكون بينهم، أوقفوه، فتشوه، سوف تجدون على يديه بقعا من دماء الأطفال في غزة، وفي حقيبته أشلاء طفلة مع لعبتها المدماة، وستجدون كتابا أسودا بعنوان: تعلم كيف تقتل فلسطينيا.. للمبتدأين!
* * * * * * * * *
هذه اللفتة الإنسانية سوف تظهر على الشكل التالي: رابح – رابح – رابح، رابح لكندا لحل مشكلة الشغور والنقص في العمالة، رابح للإسرائيليين لحل مشكلة "اليهود المساكين" حسب تعبير عبد العزيز آل سعود حين وقع على الوثيقة التي وافق فيها آل سعود على التبرع بأرض فلسطين للصهاينة، أما الرابح الثالث فهم الفلسطينيون الذين انتزعت من حياتهم وضحكاتهم 75 عاما من الفرح.. والأطفال!
* * * * * * * * * *
كنت، منذ حوالي عشر سنوات، قد طلبت من صديقي الفلسطيني أن يأتي لي بحجر من فلسطين، وجاءني بحجر يبدو عليه آثار الاستعمال.. يبدو أن أطفالا قد داعبوه بأيديهم الطاهرة!
لعل طفلا من الذين استشهدوا أخيرا قد باركه بمقلاعه وأصابعه، احتفظت به بين التحف الكثيرة التي تضج بها خزانة في الصالون، كتبت عنه سابقا، واسهبت في الحديث عن علاقتي بهذا الحجر..
اليوم صباحا تفقدت حجر فلسطين في واجهة الخزانة.. كان الحجر ينزف دما، أحمر قان، على شكل دمعة.. هكذا خيل لي!
*تم استخدام صورة غلاف هذه المقالة من Freepik لأغراض توضيحية فقط.