شهر البركة والرحمة.. حزين، حزين!

  • article

طلال طه- مونتريال

يطل علينا شهر رمضان هذه الأيام يتلوى من الجوع والعطش.. والكورونا، عجز الطب أمام هذه الجائحة، وانسان هذا الكوكب يضغط على أطبائه وبحاثته وإخصائييه ومختبراته لكي يجدوا حلا سريعا، واعدا وناجزا!

ما قدمه العلم حتى الآن هي محاولات، اكثرهم تفاؤلا يتحدث عن سنوات عشر لكي يستبين مفعول اللقاحات التي قدمت وتعرض على شكل حلول مرحلية لأزمة متفاقمة!

فعجز العلم عن التحرك سريعا أدى لعقاب جماعي لسكان هذا الكوكب اللطيف، البشرية بأجمعها، وجهها الى الحائط، على قدم ونصف، تكرر بصوت خافت: نسألك اللهم بنيات صادقة وقلوب طاهرة!

شهر رمضان، وهو الثاني الذي يمر عبر الجائحة مخترقا ربيعها هذا العام، الثلاثاء القادم، أو الأربعاء على قول، أيا كانت البداية، فأيامه ولياليه سوف تكون تكرارا لما مضى.. والسؤال الملح، الجاد، المسؤول، العميق، كيف يمكن أن نعيد لهذا الشهر ألقه، وكيف يمكن أن نعيد كتابة خطبة الرسول (ص) في استقبال شهر رمضان المبارك، باللغات الحية، بلغة الصم والبكم، بلغة الديجيتال، بالترميز، بالتواصل السمعي والبصري، وبغير ذلك من وسائل التواصل التي ابتدعتها البشرية!

قد اقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة.. والحزن، شهر حزين بدون ناسه، متعبديه، قراء القرآن، معتكفيه، صائمي النهار، قوام الليل، النائمون في عبادة، والناشطون في زهادة، الجوعى والعطشى، المتصدقون، الموقرون كبارهم، الراحمون صغارهم، الغاضون ابصارهم، الحافظون السنتهم..

للعام الثاني على التوالي، تفقد هذه المفاهيم العظيمة بعض خصوصيتها الجمعية، تنسل بعض معانيها لتضيع في فراغ الخوف والرعب والرهاب من كورونا، ومعه الحزن العميق، الحزن المتوالد من خيبة الانسان بقدراته وطاقاته العلمية التي فشلت في أن تجمعه مع عائلته الكبيرة على مائدة إفطار.. بدون رهاب الفيروس!

قيمة هذا الشهر في مفهوم خطبة الرسول (ص) هي قيمة تبادلية بين الانسان وربه، يبدأها الخالق بكرمه: أبواب الجنان مفتحة، وابواب النيران مغلقة، والشياطين مغلولة، وما هو مطلوب من هذا العبد غير بعض الصبر والجهد، فتكون النتيجة بمستوى كرم الخالق لا بمستوى طمع المخلوق، وكرم الخالق أكبر بكثير من طمع المخلوق!

شهر رمضان، شهر تبادل بين انسان الأرض ورب السماء، والنتائج على قدر كرم السماء في الآخرة، وفي الدنيا بعض آثارها، ومن آثارها الواضحة بركة اجتماع الناس حول موائد الإفطار، وهي الظاهرة الاجتماعية الأكثر بروزا في اعمال هذا الشهر..

فمن الواضح ان الاعمال التعبدية في الشهر المبارك هي اعمال فردية، من الأداء الى الاستجابة، من الصوم الى الصلاة وقراء القرآن والدعاء والصدقة وغيرها من الملكات الأخلاقية التي تنسحب ايمانا وتقوى وورعا وزهدا وكرما وغيرها على الفرد المسلم المؤمن المتعبد الساعي في سبيل استغلال هذا الشهر بما يتناسب مع وعد الله الذي لا يخلف وعده!

يبقى أن فرحتي المؤمن: عند افطاره وعند لقاء ربه، قد انتقص من احداها موردا من مصاديق الفرح في أدائها، فرحته عند افطاره مع عائلته الصغيرة، مع عائلته الأكبر، مع ارحامه، مع اخوانه وأصدقائه، مع أبناء بلدته واجتماعهم ونواديهم وجمعياتهم وغيرها من أسباب الإفطار المشترك!

هذه الفرحة نحرم منها للعام الثاني على التوالي، وقد نشعر بعد شهرين رمضانيين ان هناك وجوها قد نسينا ملامحها بعد غياب طويل، غزا الشيب بعض معارفنا، وتمكنت الامراض والعلل من آخرين، افتقدنا أناس رحلوا الى الابد في رحلة مفاجئة، آخرون ينطوون على أمراض تأكل من فرحهم وعزيمتهم وارادتهم، كبر الكوكب سنة في غفلة من الزمن، اقتنصها من حياة الناس ورتب لهم أسلوبا جديدا في العيش، حرمهم من أشياء كثيرة وكبيرة وعظيمة ومهمة، لكنه قد هداهم في نفس الوقت الى مخارج أخرى وحلول منتزعة من ثقافة العصر وحداثته، ومنها وفي مقدمها وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تنفك ترينا كل جديد مستحدث، يخفف عن الناس آلام البعد والقطيعة والهجران الارادي او القسري منه!..

وعليه، من اعمال هذا الشهر ان ابحث عن الوسيلة والواسطة التي تقربني وتجمعني وتصلني بالآخرين، ان لا اترك نهاري للنوم وليالي للكسل خلف تلفاز تفرخ مسلسلاته من حارة الى أخرى..

نعيد في الليالي - وهو أضعف الايمان – تذكر بعض الوجوه التي نعرفها، والتي كنا نلتقيها في المركز او المجمع او المسجد او على مائدة إفطار كريمة، نعيد تركيب الملامح، ننظر في العيون التي يمكن ان يكون قد جف بعض بريقها، من الوجه الذي غيبت نصفه الكمامة، من الكلمات التي تخرج من خلف الكمامة باهتة ومنزوعة الدسم والبسمات..

نعتذر لبعض من صادف وجودهم في مكان ما ولم نعرفهم، غطت الكمامة قصورنا عن تشكيل وجوههم التي ألفناها، ندعو لهم جميعا، وهذه لعلها من أرخص العبادات، أقلها جهدا وكلفة، الدعاء للأرحام والاخوان والأصدقاء بظهر الغيب..

افتح دفتر هاتفك القديم، لقد دونت بالحبر أرقاما لأحبة لك في بلدان بعيدة، نسيتهم ونسوك، واستهلك كورونا ما بقي لنا من ود تجاههم، نوقظهم باكرا، لا نعرف كم الساعة في مطارحهم البعيدة، في جغرافيا وحدتنا معها الكورونا، ما يجمع القطب الشمالي مع صحراء الربع الخالي وغابات الامازون والهند الصينية هو هذا الوباء.. تصيب لعنته كل خطوط الطول والعرض فوق هذا الكوكب التائه!

او افتح "ذاكرة" الهاتف فقد دونت فيها أرقاما لآخرين، تركت تحت أسمائهم ملاحظات تعرفهم بها، حتى لا تنسى تلك الوجوه الطارئة التي دخلت حياتك فجأة، لا تعرف عنهم الكثير ولا يعرفون عنك غير الصدق والأمانة والطيبة.. قل لهم إني صائم، سوف يسألونك عن الصيام ومشقته، وربما عن الإسلام وروحه، وعن الشريعة ودقتها.. قد تجد بعض الوقت لتقول شيئا مفيدا، فلا تكرر نفسك، واخرج من الصندوق!

من اعمال هذا الشهر ان ارفع سماعة الهاتف واتصل بالمنسيين من أرحامك وأهلك واخوانك ومعارفك، ومن اعماله أيضا ان ابحث عن غرف الحوار ونواديه الثقافية والفكرية الحوارية الشيقة، المجموعات التي تتواصل وتتواصى بالحق والصبر وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. بلسان التقنيات الحديثة!

ويقول الرسول (ص) في خطبته: من افطر منكم صائما كان له عتق نسمة، وقد حجر علينا القانون الخروج بعد الثامنة، فيتعذر إفطار صائم ميسور الا بمخالفة، وهي فرصة يفتحها امامنا كورونا لننظر الى البعيد، الى الصائم المحتاج، الفقير شرعا وعرفا وقانونا، في اليمن، وفلسطين، وسوريا، والعراق.. وبعض لبنان!

بعض لبنان لأن لصوصه أكثر عددا من جائعيه!

كان رسول الله (ص) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد، وها كورونا ومنذ السنة الماضية يلزمنا الاعتكاف في بيوتنا، ومنها هذا الشهر، وآداب الاعتكاف ومستحباته موجودة في مظانها من كتبنا القيمة.. والسؤال الأساس هو: كيف يمكن لهذا الفرصة العظيمة من الوقت الفائض ان لا تغير الكثير من شؤوننا!

كنا نشكو من قلة الوقت، والآن الشكوى من الوقت الفائض الضائع، عسى هذا الشهر ان ينظم لنا مواعيد الاتصال مع الأحبة.. او اقتطاع عدة دقائق للدعاء للمنسيين ممن حولنا!

* * * * * * * *

أنفاسكم فيها تسبيح يقول الرسول (ص)، ويقول الأطباء واهل العلم أنفاسكم فيها خطر كبير على من حولكم، والشقي الشقي من حرم القدرة على التفريق بين التسبيح والعدوى!