من نربّي.. الأهل أم الأبناء؟!

  • article

حسين حب الله ـ مونتريال

أدانت محكمة مونتريال الأربعاء الفائت أباً قالت إنه هدد بناته الأربع بالقتل إذا تجرَّأْنَ على خلع حجابهنَّ. وقالت القاضي جوزيه بِلانجيه (Josée Bélanger) إن والد البنات "كان يهددهن بانتظام بقتلهن إذا رآهن". وسائل الاعلام المحلية نقلت بعضاً من مداولات المحكمة التي تضمنت شهادة بناته الأربع القاصرات، وكانت أصغرهن في الثامنة من العمر وقت وقوع الحادث. وجاء في شهادات البنات أن الأب لم يكن لديه أي انفتاح على نزعهنَّ الحجاب. كما مُنعن من الخروج مع الصبية، أو ارتداء الملابس القصيرة!.

في أثناء المحاكمة نفى الأب البالغ من العمر 47 عاماً، والذي لم يُكشَف عن اسمه لحماية هوية بناته الأربع، ارتكابَ أي جريمة. وقال إنه كان أباً "قاسياً" على الأكثر، لكنه ليس أباً عنيفاً.

في غضون ذلك، سيبقى الأب المتهم رهن الحبس الاحتياطي وهو سيعود إلى المحكمة في الأسابيع المقبلة للمرافعة بشأن الحكم الصادر بحقه.

بعيداً عن صحة الاتهامات الموجّهة إلى الأب وحقيقتها، نحن أمام إشكالية تواجه العديد من العائلات، لا في كندا فحسب، بل في بلدان أخرى أيضاً. لكنها في كيبك بالخصوص تأخذ طابعاً مختلفاً في ظل الحرب المستعرة ضد الحجاب والمحجبات، فيُنظَر إلى الحجاب كمظهر من مظاهر التخلف والرجعية والدونية للمرأة أمام الرجل. كما تُوَجَّه الإتهامات إلى الرجل في العديد من وسائل الإعلام بفرض الحجاب على أخته أو زوجته أو بناته بالإكراه، وبالتالي انتزاع خيار ارتداء الحجاب من المرأة. وجاء قرار المحكمة الأربعاء الماضي ليعطي هؤلاء جرعة تدعم موقفهم الذي لا يعادي الحجاب فحسب، بل الدين أيضاً - أيَّ دِينٍ بشكل عام، والمهاجرين والمختلفين عنهم عِرقاً وثقافة وأصولاً!

لا بد من الاشارة في البداية إلى أن استخدام العنف - سواء اللفظي أو الجسدي - بحق الفتيات "يتعارض مع المفهوم الإسلامي التربوي بالنسبة لِلتعامل بالرأفة والرحمة والإقناع مع بناتنا وأولادنا"، كما أكد رئيس المنتدى الاسلامي سامر المجذوب في حديثه إلى "صدى المشرق"، نافياً أن يكون للأمر أي علاقة بالاسلام وتعاليمه .  

اليوم لا أريد ان أخاطب الإعلام الذي يستغل مثل هذه التصرفات المرفوضة، وهو يبحث دوماً عن الثغرات التي يقترفها بعض الأشخاص المنتسبين إلى الجالية الاسلامية. فهذا الاعلام وضع لنفسه منهجاً لن يحيد عنه مهما علت الحُجّة أو سطع البرهان. ومخاطبته ضرورية في المستقبل وتحتاج إلى استعداد متبادل لقبول الآخر وتفهمه وإزالة الهواجس التي يحملها. لكن الحديث هو إلى جاليتنا الكريمة التي تضم بين أكنافها مواطنين مرّت على وجودهم في هذا البلد فترة طويلة ويعرفون ظروف البلد والتحدّيات التي تواجههم. فمنهم من استطاع تجاوز هذه التحديات بأقل الخسائر. وآخرون حديثو عهد بالهجرة إلى كندا، لم يتعرفوا بعد على واقع المجتمع الجديد وتأثير ثقافته على أولاد لم يعد بالمقدور أن يُربَّوا بالطريقة نفسها التي تربى الأهالي عليها، فوقعوا في مطباتها ودفعوا أثماناً غالية وخصوصاً الذين أرادوا لأبنائهم وبناتهم أن يكملوا طريق المستقبل بالطريقة نفسها التي نشأ أهاليهم عليها.

إن علينا كأهل أولاً أن نعرف واقع البلد الذي أتينا بأولادنا للعيش فيه، أو الذي وُلدوا فيه، وهو واقع ليس من السهل على الكبير مواجهته، فكيف بالصغار أو المراهقين؟!   

بعد ذلك علينا أن ندرك أن أولادنا يحتاجون إلى أساليب تربوية ناجحة، سيما في مرحلة المراهقة حين يبدو كل من البنت والصبي بلا حيلة في ظل التحولات الهرمونية. وفي هذه المرحلة من العمر تظهر بِحدة الرغبةُ في تقليد الأقران، والمقارنة معهم.

وفي حالة البنت يبدو الوضع أصعب، سيما عندما نضعها في بيئة لا تحفز على ارتداء الحجاب، فكيف إذا كانت هذه البيئة تحارب الحجاب؟ وهنا أستحضر قصة حدثت لِصديق لي، وجدت أن ابنته رغم تجاوزها سن التكليف بعدة سنوات ما زالت لا ترتدي الحجاب. وعند السؤال عن الموضوع كان الجواب أنها في اليوم الذي اختارت فيه ارتداء الحجاب ذهبتْ إلى المدرسة لتعود وهي تبكي لأن المعلّمة وجهت لها كلمات سخرت فيها من الحجاب وقالت لها إنها لا تبدو جميلة فيه. ومن يومها شكَّل الموضوع عقدة لدى البنت، لم يستطع الأهل والبنت تجاوزها.

إن بناء شخصية الأولاد تبدأ من سن مبكرة، فما سيُزرَع في نفوس الأولاد سينبت ولو بعد حين. لن أدخل هنا في الطرق التربوية التي ينبغي التعامل فيها مع الولد، فهذا باب واسع له أهله. ولكن أقول إن علينا بعد أن نربي الأولاد على القيم الدينية أن نؤمّن البيئة التي تساعدهم على المحافظة على هذه القيم. وإلا فلا يمكن أن نضعهم وسط أجواء لا تساعد على التمسك بتلك القيم ثم نطلب منهم الحفاظ عليها، سيما في سن المراهقة حين تكون شخصية الطفل معانِدةً، فيرغب بالتحلل من بعض ما قد يراه قيوداً وموانعَ عن التفاعل في بيئة تشعره أكثر باستقلاليته وحريته الفردية.

إن تربية الطفل تسبقها مسألة مهمة هي تربية الأهل أنفسهم قبل الاولاد. وهو ما خلصت إليه دراسة عرضت أمام أحد المدارس في مونتريال منذ أكثر من عشر سنوات، مفادها أن الأساس هو أن علينا أن نربي الاهل، لا الأطفال. لذا على الاهل أولاً أن يؤمّنوا لأولادهم البيئة الصالحة داخل المنزل، التي هي أساس التربية، سيما أصول تعاطي الاهل مع الاولاد وعلاقة الأب والأم في ما بينهما، فهي التي تؤثر بشكل كبير في شخصية الطفل، الذي يسيئه جداً أن يعيش في منزل فيه خلافات بين الوالدين، أو إهمالهما، أو سوء تعامل أحدهما معه.      

لا نريد أن نحمّل هنا المسؤولية للأهل بشكل كامل. فكم من أم أو أب قدَّما لأولادهما كل شيء، لكن أولادهما ساروا في طريق آخر! وهذا حصل حتى مع الأنبياء.

مجمل القول أن الحجاب هو واجب شرعي، على المسلمات ان يلتزمن به كالصلاة والصيام والحج. ولكن  الإكراه والعنف في تربية الأولاد ليسا الطريق الصحيح لتطبيقه. فهو لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية. وعلينا التعامل بوعي مع خروج الولد عن الطريق التي نعتبرها صحيحة. ولْيكن النقاش والاقناع والتعاطي الايجابي مصحوبين بالاحتضان والعاطفة وتأمين البيئة الصالحة والمحيط المناسب طريقاً للوصول إلى ما نصبو إليه. ولْيكن واضحاً أن التعاطي بهذه الروحية مع الأولاد سيفتح الطريق أمامهم للعودة إلى ما تربَّوا عليه مهما ابتعدوا، وهذا مؤكد وثابت بالعلم والتجربة، إلا ما نَدَر.