السلام عليكم ...المرحلة القادمة قد تخبىء مفاجآت خطيرة!

  • article

حسين حب الله ـ مونتريال

 في خلال أيام العدوان الإسرائيلي على غزة الشهر الماضي خرج الآلاف في كندا في تظاهرات عارمة شملت معظم المناطق الكندية، في سابقة وحّدت الجالية حول قضية فلسطين، رغم الاختلافات بين أطيافها، وأحيت من جديد في النفوس ما يعمل الكثير من السياسيين على طمسه - سواء من خلال تجريم انتقاد اسرائيل واعتباره معاداةَ السامية، أو تجريم مطالبِ الشعب الفلسطيني باستعادة حقوقه المسلوبة فوق تراب أرضه، أو دعمِ مصالح إسرائيل سياسياً ونيابياً وانتخابياً.

فالمتابع لانعكاسات هذه الأحداث على الساحة الكندية يمكنه أن يسجل ملاحظات مهمة وايجابية سجلت مرحلة جديدة ستكون مختلفة عما قبلها اختلافاً جذرياً ولكنها قد تأتي بِارتدادات خطيرة إذا لم يُلتَفَت ويُتنبَّه لتلك الارتدادات  .

فبعيداً عن المأساة الانسانية التي حدثت في خلال العدوان الاسرائيلي على غزة، المتمثلة بسقوط ضحايا بينهم العشرات من الأطفال في غزة، إضافة إلى سعي الاحتلال الى طرد أهالي حي الشيخ جراح من منازلهم بطرق يَدعي أنها قانونية من أجل تهويد الحي، كانت مشاركةُ العنصر الشبابي من المولودين في كندا لافتةً في التظاهرات التي خرجَت للتنديدِ بِالإعتداءات. وهو تحول كبير لا ينبغي أن يفوت القيمين على ساحة الجالية الالتفاتُ إليه وتوجيهه في الاتجاه الصحيح ليكون متماشياً مع خدمة الأهداف التي تصب في مصلحة الجالية.   

المسألة الاخرى اللافتة أيضاً هي جرأة الشعارات التي رفعت ضد الاحتلال، بعد أن ظن معظمنا أنه لم يعد لمثل تلك الشعارات مكان في الواقع الكندي والعالمي، في ظل محاولة جادة من أحزاب السلطة السياسية أو المعارضة فرض الحرم على انتقاد الاحتلال وعلى مقاطعة بضائعه.

كانت لافتةً أيضاً مواقفُ شخصيات نيابية كندية ومحلية تقول للاحتلال الاسرائيلي: كفى. فالحزب الديمقراطي الجديد ـ بعد المواقف الأخيرة في مؤتمرِ الحزب العام ـ كانت مواقفه واضحة بالنسبة لِضرورة اتخاذ موقف كندي من صفقات الأسلحة مع الكيان الصهيوني. والحزب الأخضر انقسم بشكل واضح في مواقفه، فخرج بعض النواب بتصريحات تنتقد اسرائيل بشدة، مع رفض استخدام الاتهامات بمعاداة السامية لمنع النقد المشروع لانتهاكات حقوق الإنسان واعتباره أمراً مسيئاً وخطيراً. 

ووقّع عضوان كنديان في مجلس الشيوخ وأربعة وعشرون عضواً في المجلس النيابي رسالة إلى رئيس الوزراء الكندي جوستان ترودو، بينهم نواب من الحزب اللبرالي وأحزاب أخرى تدعو الحكومة الكندية إلى استخدام العقوبات للدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني.

ولفت البيان إلى انه "لم يعُد من المناسب لكندا أن تتجاهل انتهاكات الحكومة الإسرائيلية المتعددة لحقوق الإنسان الفلسطيني"، ودعا الحكومة الكندية إلى  "الذهاب إلى ما هو أبعد من بيانات القلق والعمل مع المجتمع الدولي على إدانة عمليات الإخلاء القسري، وبناء المستوطنات، والمعاملة غير المتكافئة، والاعتداءات على الصحافيين، وقصف المرافق الإنسانية والطبية، وإزهاقِ أرواح المدنيين، والمطالبة باحترام القانون الدولي". واعتبر الموقعون على البيان أنه "من الأهمية بمكان أن تدين حكومتنا على الفور الاحتلال والمستوطنات غير القانونية".

ولا ننسى مواقف نائب حزب التضامن الكييبكي في المجلس النيابي في كيبك ربى غزال، التي ما زالت تذكِّر الجميع أنها ابنةُ شعب شُرّد من أرضه وهو لاجىء في الكثير من دول العالم، وهي التي عندما وصلت إلى كيبيك كانت تحمل معها شهادة لجوء ووثيقة سفر أُعطيت لها من قِبل السلطات اللبنانية "لأنّ أهلي كانوا لاجئين في لبنان، وما زلت أحتفظ بهذه الوثائق بعناية كبيرة الى الآن كشاهد على هويتي الفلسطينية، التّي أعتزّ وأفتخر بها جدّاً"، كما قالت غزال في مقابلة لها مع صدى المشرق في العدد الماضي.  

التحول الجديد هو لحظة تاريخية ينبغي لنا الوقوف عندها، ثم المضي قدماً في التحرك الجاد والمدروس، بعيداً عن الحماس والانفعال والتسرع ليبقى ضمن الضوابط التي لا تسمح لأحد بالنفاذ منها واستغلالها للقضاء عليها في بداية تحركاته. فما كان قبل أيار من عام 2021 لا يجوز بأي حال من الاحوال أن يكون كما بعده.

فمواقف الاحزاب والنواب المؤيدين لإسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية كان واضحا فيها الاستغلال والتركيز على مسألة العداء للسامية، وذلك من خلال التركيز على تعرُّضِ بعض التجمعات أو المؤيدين لإسرائيل للرشق بالحجارة، أو مراقبة بعض الشعارات التي أطلقها المتظاهرون وربطها بالعداء للسامية لحرف الأنظار عن الجرائم الاسرائيلية. وهو ما يُظهر الخطة القادمة لمواجهة التحركات المناصرة للقضية الفلسطينية.

فقوة ونفوذ الجماعات النافذة المؤيدة لإسرائيل وخبرتها في إسكات معارضيها وخوف الكثير من السياسيين يجعلنا نتوقع منها كل شيء للوقوف في وجه التحولات الجديدة، ليس أقلها ما جرى في جامعة ماكغيل بحقِّ الطلاب المؤيدين للقضية الفلسطينية. وهي قضية خطيرة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام دون التوقف عندها والتحذير من تبعاتها في إحدى أهم المؤسسات التربوية في كندا.

فقد نشر موقع تابع لجمعية "الطلاب الداعمين لحقوق الانسان الفلسطيني" -  فرع جامعة ماكغيل (SPHR) - تقريراً كشف تعرّض الطلاب المؤيدين للفلسطينيين في الجامعة للترهيب من جماعات مؤيدة لاسرائيل. الموقع كشف عن وجود قائمة متداولة في الحرم الجامعي أعدَّتها ـ على ما يبدو ـ مجموعةٌ من الطلاب الصهاينة في ماكغيل، تحتوي على أسماء ومعلومات شخصية لعدد لا يحصى من الطلاب المؤيدين لفلسطين في الجامعة". ولفت التقرير إلى أن "أحد أهداف مُعِدّي اللائحة هو مراقبة وتوثيق الطلاب المشتبه في تعاطفهم مع فلسطين. وتحدث التقرير عن ارتعابِ الطلاب عندما "اكتشفوا أن أسماءهم وأرقامَ هواتفهم الشخصية قد تُدُووِلَت على موقع رقَمي ينص على أنهم يقدمون خدمات جنسية مقابل التعويضات المالية. كما استخدم الإعلان أوصافاً حقيرةً وعنصريةً بحقهم، وسعى إلى تشويه سمعتهم على أنهم معادون للسامية".

فتح معركة بهذا الأسلوب الرخيص والمخالف لكل القوانين والأعراف والأخلاقيات العلمية والثقافية يشير إلى حجم التأثير السلبي الذي تركته التظاهرات العارمة، التي كان الطلاب والشباب عمادها، وهو يؤكد أنهم لن يوفروا أي وسيلة في مواجهتهم مهما كانت غير اخلاقية، وهي لن توفر أي جهة معارضة للاحتلال سواء كانت نيابية أو إعلامية أو تربوية أو غيرها.

وهذا يتطلب مواجهة متأنية ومدروسة لما تقوم به هذه الجماعات، تبدأ أولاً بتحصين كبير لساحتنا والناشطين فيها، واحتضانهم حينَ استهدافهم من خلال التعاون مع محامين مناصرين للقضية الفلسطينية للدفاع عن الذين تستهدفهم الجماعات النافذة المؤيدة لإسرائيل لِئلا يُترَكوا وحدهم. 

ومن المهم جداً محاولة تحصين الساحة من أي تصرفات صبيانية غير مدروسة يقوم بها بعض المتحمسين من جاليتنا، فقد تستغلها جماعات الضغط والتشهير المترصدة لكل نشاط مُعادٍ لإسرائيل. فليس مقبولاً منا أي اعتداء جسدي أو لفظي أو غيره على أي مواطن كندي بسبب دينه أو معتقده السياسي. بل من الضروري احترام حق الآخرين في التعبير عن آرائهم مهما كانت مخالفة لآرائنا. وعلينا أن نقف في وجه من يريد أن يعبر عن مواقفه من بيننا بطرق لا تتناسب مع القوانين المرعية في كندا والآداب الدينية التي نؤمن بها.  

المرحلة القادمة قد تخبىء مفاجآت تريد الانقضاض على ما حُقِّقَ حتى اليوم. فالحذر مطلوب والاستعداد لتلك المفاجآت بما يتناسب معها ضروري جداً، حتى نحافظ على ما أُنجِزَ ونصون مُحقِّقي هذه الإنجازات.