على الحكومة الكندية التوقف عن بيع السلاح الى اسرائيل و شرائه منها

  • article

أ . حسن غيّة*

المواجهة الاخيرة بين اسرائيل و الشعب الفلسطيني أبرزت حقائق كانت غائبة عن كثير من الناس و غيرت موازين القوى على أرض الواقع و على الساحة الدولية بِمَا فيها الساحة الكنديةأول الحقائق التي كانت مغيبة و أبرزتها المواجهة الأخيرة هي مركزية القدس و المسجد الأقصى في الصراع العربي الاسرائيليعندما أعلن الرئيس ترامب ما أسماها بصفقة القرن و عن قراره بنقل السفارة الأميريكية إلى القدس صرح بأن الكثيرين حذروه من ردّة فعل الشارع العربي و لكن شيئا لم يحدث و عقَّبَ على ذلك بأنه على يقين بأن صفقة القرن ستشكل الحل النهائي لقضية الصراع في الشرق الأوسطالأحداث التي توالت في الشرق الأوسط كنتيجة مباشرة او غير مباشرة لسياسات ترامب زادت من ثقة الرجل بصحة هذه السياسات. من اهم هذه الأحداث كانت موجة التطبيع بين عدة دول عربية و اسرائيل برعاية اميريكية و نقل السفارة الأميركية بدون اَي ردّة فعل تذكر في العالم العربي و قرار اسرائيل اعلان القدس الموحدة العاصمة الابدية لإسرائيل اضافة الى ضمها للعديد من الاراضي الفلسطينية التي كان يجب ان تقام عليها الدولة الفلسطينية ضمن إطار حل الدولتين المنصوص عليه في اتفاقية أوسلوهذه الأحداث أوحت للكثيرين بان القضية الفلسطينية تسير الى نهايتها التي كانت تتوق لها الحركة الصهيونية منذ عقود ألا و هي ترويض العرب و القضاء على الهوية الفلسطينية و انتزاع اهمية القدس و المسجد الاقصى من الوجدان العربي و الاسلامي.

لقد تم تجزئة الشعب الفلسطيني الى ثمانية اجزاء على الأقلالفلسطينيون داخل الخط الأخضر تم تقسيمهم الى ثلاثة أقسام: الدروز و البدو و ما يسمى بالاسرائليين العربالفلسطينيون في الضفة الغربية تم تقسيمهم الى ثلاثة أقسام ايضا حسب المناطق التي رسمتها اتفاقية أوسلو الثانية: منطقة ( أ ) و منطقة ( ب ) و منطقة ( ج ).  يضاف الى هذه الأقسام الستة فلسطينيو غزة و فلسطينيو الشتات. هذا بالاضافة الى الخلافات السياسية بين السلطة الفلسطينية في رام الله و حماس في غزة و الصراعات بين التيارات المختلفة داخل حركة فتح كالصراع بين تيار محمود عباس و تيار محمد دحلان و غيرها من الصراعات.

 

في هذه الأثناء كانت اسرائيل مطمئنة البال وعلى يقين انه ليس هنالك أي عائق امام سياستها التوسعية و لذلك استمرت بمصادرة الاراضي الفلسطينية وطرد الفلسطينيين من بيوتهم  وبناء المستوطنات الى درجة ان عدد المستوطنات وصل الآن إلى أضعاف ما كان عليه عند توقيع اتفاقيات أوسلو وعدد المستوطنين الاسرائليين في الضفة الغربية أصبح الآن يقارب النصف مليون.

 ولكن جاءت المواجهة الاخيرة لتثبت ان حسابات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة و حسابات الرئيس السابق ترامب كانت خاطئة. في هذه المواجهة توحد الشعب الفلسطيني بكل اطيافه في الداخل و الخارج، في جميع ارجاء فلسطين التاريخية و في المخيمات و الشتاتلم يكن لهذا الشعب قيادة توحده و لكن وحدته القضيةلقد كانت انتفاضة الشعب الفلسطيني في كل مدن و قرى فلسطين التاريخية، و التي أشعلت شرارتها الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، أمرا جديدا و مفاجئا لصناع القرار في القدس و تل أبيب. ان تمسك الانسان الفلسطيني في اللد و حيفا و يافا و عكا و أم الفحم و غيرها بهويته الفلسطينية غيرت موازين القوى و اثبتت ان ما كان يسمى بالتعايش السلمي لم يكن الا أضغاث احلام لانه من المستحيل احلال السلام بدون تحقيق العدالة و  المساواة بين المواطنينهذه المعادلة الجديدة أشد خطورة على اسرائيل من صواريخ حماسمن هنا يتعين على المسؤولين الاسرائليين ان يعرفوا ان الحل يجب ان يكون سياسيا مبنيا على العدل و احترام الآخر لا على القوة العسكرية و الانتصار على الآخرو اثبتت هذه المواجهة ايضا ان السلام يجب ان يتحقق بين مكونات سكان فلسطين التاريخية و الا لن يكون هنالك سلام مهما كان عدد الدول العربية التي توقع معاهدات سلام مع اسرائيل وتطبع معهاهذه المواجهة اثبتت ايضا ان الاستيطان يهدد وجود اسرائيل و ليس فقط أمنهاان هذا الاستيطان اذا لم يتوقف سيقضي على مشروع حل الدولتين الذي بنيت على اساسه اتفاقية أوسلو التي دعت لإقامة دولة فلسطينية بجانب دولة اسرائيل. بناء المستوطنات على الاراضي التي من المفترض ان تؤسس عليها الدولة الفلسطينية جعل من إقامة هذه الدولة أمرا شبه مستحيلان المجتمع الدولي  بما فيه كندا، والذي لا يزال يطالب بحل الدولتين يقف الآن على مفترق طرق، اما ان يقنع اسرائيل بوضع حد لسياستها التوسعية و التوقف عن مصادرة الاراضي الفلسطينية و طرد الفلسطينيين من بيوتهم، خاصة ان المجتمع الدولي مجمع على عدم شرعية هذه الممارسات، و إما على المجتمع الدولي التوقف عن دعم اسرائيل ماديا و عسكريالقد قبل الفلسطينيون في اتفاقية اوسلو عام 1993 بإقامة دولتهم على 21%  فقط من ارض فلسطين التاريخية و كان من بنود هذه الاتفاقية ان يتم التوصل خلال خمس سنوات عبر المفاوضات الى اتفاق حول القدس و المياه و اللاجئينو لكن المفاوضات بين طرفين غير متكافئتي القوى لم تؤدي حتى الآن إلا إلى مزيد من مصادرة الاراضي و زهق للأرواح و لم تَر الدولة الفلسطينية النور وإمكانية أقامتها تتضاءل يوما بعد يوماذا كان المجتمع الدولي جادا فعلا في التوصل الى حل، عليه التوقف عن تسليح الطرف الاقوى لإجباره على احترام حقوق الانسان و الالتزام باتفاقية جينيف و تطبيق القانون الدولي و الا فان المفاوضات العبثية ستستمر الى ان يصل الجميع الى حائط مسدود.

 نحن كمواطنين كنديين لا نستطيع ان نفرض حلا في الشرق الأوسط و لكن بإمكاننا وعلينا ان نطالب الحكومة الكندية بالتوقف عن بيع السلاح الى اسرائيل و شراء السلاح من اسرائيل و منع استيراد منتوجات المستوطنات التي هي باعتراف كندا و اعتراف المجتمع الدولي و الامم المتحدة غير شرعية و مخالفة للقانون الدولينحن لا نطالب كندا بالوقوف مع طرف ضد طرف. نحن نطالب كندا بالوقوف مع القانون الدولي والدفاع عن حقوق الانسان و هذه المبادئ هي من صميم قيمنا ككنديين.

*(مداخلة للمحامي والمهندس حسن غية خلال الندوة الافتراضية التي اقامتها صدى المشرق السبت الماضي حول احداث فلسطين الاخيرة وكيفية الاستفادة منها لتفعيل نصرة القضية الفلسطينية في كندا)