سوق العقارات في كيبيك ومخاطر المبالغة في الأسعار!

  • article

فاطمة بعبكي- مونتريال

في ظلّ نمو الأسعار المتواصل والمتعاظم للعقارات في ثاني كبريات المقاطعات الكندية (كيبيك) من حيث عدد السكان وحجم الاقتصاد، لاسيما في منطقة مونتريال الكبرى، تشهد المقاطعة "أزمة سكن" طارئة، ما تسبب بفوضى عارمة في يوم الإنتقال (Moving Day) السنوي، الذي يتزامن مع بداية شهر تموز/يوليو من كل عام.

ولا شكّ أنّ القيود الصحية المفروضة بسبب جائحة "كوفيد - 19" دفعت الكثيرمن الناس إلى الرغبة في الابتعاد عن المراكز الحضرية الكبيرة للحصول على منازل أكبر، لأنّ العمل من المنزل بات جزءاً من حياتهم اليومية. هذا التهافت على شراء المنازل منذ بداية جائحة كورونا أدّى الى إنجراف السوق العقارية نحو المبالغة في التقدير، فضلا عن الارتفاع الجنوني في الأسعار.

وبالتزامن مع إنحسارالموجة الثالثة من كورونا في كندا عموماَ، وفي كيبيك على وجه الخصوص، جرّاء التقدّم الملحوظ في حملة التطعيم في المقاطعة وتخفيف القيود الصحيّة، فهل ستستقر أسعار العقارات؟ أم أن التوقعات الاقتصادية "غير مؤكَّدة"؟!

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، قابلت "صدى المشرق" سمسار العقارات في (Royal Lepage) بلال السيد علي للوقوف على آخر مستجدّات السوق العقارية في كيبيك.

 

-  تشهد مقاطعة كيبيك، خصوصا منطقة مونتريال الكبرى وضواحيها "أزمة سكن" بسبب الطلب المتزايد على العقارات بالرغم من الإرتفاع الجنوني للأسعار؛ فما أسباب هذه الأزمة؟

 إرتفاع أسعار العقارات لم يبدأ بشكل مفاجىء، فالأسعار بدأت بالارتفاع منذ مطلع العام 2019 ، واستمرت بالصعود بشكل مطرد بالتزامن مع جائحة كورونا، علماَ أنّه في بدايات الجائحة الصحيّة كان متوقعاَ انخفاض أسعار العقارات بحوالى 14% ، بسبب تجميد الأعمال لقرابة الشهر، ولكن مع بدء إستئناف الأعمال للعمّال  الأساسيين، ونحن من ضمنهم، بدء التهافت وارتفاع الطلب على شراء المنازل بوتيرة فاقت العرض، الأمر الذّي ادّى الى إرتفاع الأسعار بشكل كبير، واستمرت الأسعار في الإرتفاع حتى اليوم.

كما أشارت الإحصاءات في العام 2020 الى أن المنازل المعروضة للبيع في السوق كانت أقل من العام 2019، ومع ذلك فإنّ عدد العمليات الشرائية في العام الماضي كان أعلى بكثير مقارنة بالعام الأسبق.

 

 - الأمر نفسه ينسحب على بدلات الإيجار؛ فما هو متوسط الإيجار للشقق السكنية اليوم؟ وهل يتلاءم مع ذوي الدخل المحدود؟

 الأمر سيّان بالنسبة لموضوع الإيجارات، فقبل الجائحة أيضاَ كانت السوق العقارية تعاني من قلة العرض وتراجع عدد الشقق السكنية مقارنة مع حوالى عقدين من الزمن. كما قام العديد من الأشخاص بشراء المنازل الدوبلكس (طابقين) أو التريبلاكس (ثلاثة طوابق)، وتحويلها الى عدة شقق سكنية وبيعها خصوصا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وقرب محطات المترو لسهولة المواصلات والتنقل. الأمر اختلف في ظل الجائحة، فنظرا لاضطرار العديد من الموظفين العمل من المنزل، وفي ظل التعلم عن بعد في الجامعات، فضّل العديد من الموظفين والطلّاب النزوح من المدن وإستئجار شقق سكنية في الضواحي ذات مساحات أكبر وبسعر أقلّ.

ومع ارتفاع أسعار العقارات، من البديهي أن يقوم أصحاب الشقق السكنية برفع بدلات الإيجار لتسديد قروضهم، الأمر الذي يشكل عائقاَ أمام ذوي الدخل المنخفض.

 

- ظروف السوق لصالح البائعين وبقوة، ألا يوجد رقابة حكومية على الأسعار، لا سيّما وأنه تم بيع المنازل بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بكثير؟!

ما يحدّد قيمة المنزل اليوم هو رغبة المشتري في ظلّ التهافت على الطلب، فعلى سبيل المثال، عندما يتم عرض منزل للبيع بسعر معين، ويحصل المالك على 15 أو20 عرضاَ ماليا لشرائه (offer)، فإنّ قيمة هذه العروض تكون مرتفعة، وتفوق أحياناً السعر المعروض للبيع، وذلك لضمان المشتري حصوله على المنزل وسط المنافسة الشديدة.

مسألة أخرى تؤخذ في الحسبان، اليوم الناس لا تنظر الى القيمة الحقيقية للمنزل، بل الى قدرتها الشرائية وإمكانية تقسيط الدفعات الشهرية للقروض، وهذا ما يحصل في السوق اليوم، لذا، فإن الرقابة الحكومية لن تؤثر على رغبة الزبون بالرغم من ارتفاع الأسعار، خصوصاَ إذا توفّرت لديه القدرة الشرائية كما ذكرنا.

 
- ما هو متوسط سعر المنزل المستقل اليوم؛ وهل ستكون الأسعار عرضة لخطر التصحيح على المدى الطويل تزامنا مع انتظام السوق؟

 قفز متوسط سعر المنازل  في مونتريال قفزة نوعية ليتخطى عتبة الـ  450000 دولاراَ كندياَ، حيث ارتفع متوسط سعر المنزل المستقل (Maison unifamiliale)  في آذار (مارس)  الفائت بنسبة 32% مقارنة بمستواه في الشهر نفسه من العام السابق ليبلغ 481.000 دولار في المنطقة التي تشمل جزيرة مونتريال وضواحيها ومدن لافال وفودرُوي سولانج وسان جان سور ريشوليو.

 وعلى صعيد كلّ المقاطعة ارتفع متوسط سعر المنزل المستقل 27% خلال سنة ليبلغ 355.000 دولار.

وإذا قمنا بمقارنة أسعار المنازل بين مونتريال وتورونتو، فقد تعدّت نسبة الزيادة في الأسعار الـ 40% في تورونتو. ومع ذلك فإنّ نسبة 32% خلال عام واحد فقط تعتبر نسبة مرتفعة، ولكن الظروف الإستثنائية فرضت هذا الواقع الجديد.

ولا بد من الإشارة الى أنّ ارتفاع أسعار العقارات ترافق مع رفع الحد الأدنى للأجور في مختلف القطاعات، ما يرفع القدرة الشرائية.

نظام القروض في كندا أيضاً مدروس بعناية مشدّدة، لذا، لا يتم إعطاء القروض عشوائياَ، بل يتم التأكد من الوضع المالي للأشخاص وقدرتهم على تسديد الدفعات وسجلّهم المالي، لذا فإن تداعيات الأزمات الإقتصادية والركود في كندا تكون أقل ضررا وتأثيرا على الناس مقارنة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وبناءً عليه، ومن منظوري الشخصي ومقاربتي لوضع الإقتصاد الكندي أتوقّع في المستقبل أن يتم تجميد أسعار العقارات على ما هو عليه في الوقت الراهن، ولكنّي أستبعد حدوث تصحيح أو هبوط في الأسعار.

 

 - ما هي أنواع المنازل الأكثر طلبا؟

 قبل الجائحة كان الإقبال على المنازل المستقلة (Detached)، ولكن حالياً هناك طلباَ مرتفعاَ على مختلف أنواع المنازل والشقق السكنية، والأمر متعلّق بالقدرة الشرائية لكل شخص اليوم. الأمر نفسه ينسحب على الأراضي أيضاً حيث ارتفع الطلب عليها أيضاَ.

 

- الجمعية المهنية للوكلاء العقاريين في منطقة كيبيك (APCIQ) حذرت من مخاطر ارتفاع أسعار العقارات وتداعياتها على الإقتصاد؛ ما رأيكم؟

 في الحقيقة لا أجد تحذيرات الـ  (APCIQ) بهذه الخطورة، ولا أخشى ارتفاع الأسعار، نظراَ لأن البنوك متشدّدة وحريصة في مسألة القروض، وتبلغ قيمة الدفعات الشهرية 25% من الدخل الشهري الصافي للمقترض، وهذه النسبة أقلّ مما كانت عليه في التسعينات. كما إن ارتفاع الحد الأدنى للأجور يساعد الأشخاص على تسديد قيمة القروض بالرغم من ارتفاع الأسعار، ناهيك عن أنّ نسبة الفائدة اليوم أقل مقارنة مع فترة التسعينات.

 

- ما هو الحل لأزمة السكن الحالية؟

لا يوجد حل في الوقت الراهن، وإنّما علينا التماشي مع الموجة الحالية والجو العام. وأنا إنطلاقاَ من موقعي وخبرتي (11 سنة) أنصح الزبائن الذين يرغبون بشراء العقارات الإسراع في إتمام الأمر، لأن سعر الأمس أفضل من سعر اليوم، وسعر اليوم أفضل من سعر الغد وهكذا دواليك...

 

- أخيراَ، ما نصيحتكم لمن يرغبون بشراء أو بيع عقار اليوم؛ خصوصا وان المنزل اكبر استثمار في حياة الكثيرين؟

نصيحتي الأخيرة لمن يرغب في شراء منزل عدم التأجيل والمماطلة، ولمن يرغب في بيع منزله، عليه أن يتأكد من معاودة قدرته على شراء منزل آخر، من خلال وضع استراتيجية ذكية تمكنه من إعادة شراء عقار جديد بعد بيع القديم.

مسألة أخرى مهمة أوّد الإشارة إليها وهي أن الوضع الإقتصادي العالمي مجهول، ولا ندري إن كان متجهاَ نحو التحسّن أم العكس، فالأزمة الحالية شبيهة بالأزمة العالمية التي حدثت قبل قرن (جرّاء الرشح الإسباني على سبيل المثال لا الحصر)، وفي مثل هذه الأوضاع والظروف، يلجأ الناس الى حماية أموالهم واستثماراتهم من خلال شراء العقارات، لأنها تحافظ على قيمتها خلال الأزمات والكوارث، لذا، يجب الإلتفات الى هذه المسألة.

 

بالرغم مما تقدّم لا يقر رئيس وزراء كيبيك فرانسوا لوغو ولا أيّ وزير في حكومته بوجود "أزمة سكن" في المقاطعة من الناحية التقنية (نقلاً عن راديو كندا)، معتبراَ أنّ مقاطعة كيبيك شهدت أزمة سكن مطلعَ العقد الأول من القرن الحالي عندما تراجع معدل شغور المساكن إلى ما دون عتبة 1%، ورأى أنّه في ظلّ المعدّل الحالي البالغ 2,5% لا يمكن الحديث عن أزمة سكن.

في المقابل تؤكد أحزاب المعارضة أنّ الارتفاع الشديد في الأسعار، لاسيما في مونتريال، يمنع النّاس من السكن بشكل ملائم ومن التملّك. واعتبرت الناطقة باسم الحزب الليبرالي الكيبيكي لشؤون السكن، ماري كلود نيكولز، أنّ تخصيص 55% من مدخول الأسر المحدودة الدّخل لتسديد الإيجار أمر "غير منطقي!". وأضافت "إذا كان الراتب السنوي لأمّ عزباء -على سبيل المثال-  37.000 دولار، فلن يبقى لها سوى 17.000 دولار لتأمين الغذاء والكساء والنفقات المدرسية لأولادها إضافة إلى مصاريف التنقل!".

وبالرغم من تأكيده أنه مدرك بأنّ أسعار السكن قد تكون باهظة بالنسبة للبعض، رفض لوغو فكرة تجميد الإيجارات العام الحالي وفق ما يقترحه حزب التضامن الكيبيكي، مفضّلاً تقديم مساعدة حكومية مباشرة للأشخاص غير القادرين على تسديد إيجار لتغطية قسمٍ منه، فهل يكون هذا الحل؟!