ليلى الجبالي : اقتحمت عالم الهندسة النووية وحصلت على دكتوراه في زمن كان حكراعلى الرجال

  • article

د. علي حويلي

العقول النسوية العربية المهاجرة رغم ضآلة اعدادها ، تستحق اكثر من وقفة اجلال واكبار. فقد ابدت تلك النساء جرأة بالغة في اقتحام المعاقل العلمية والتكنولوجية التي كانت بمعظمها حكرا على الرجال،  فنافسنهم  في التعليم الجامعي وتولي المناصب الاكاديمية والمهنية الرفيعة ومراكز الدراسات والابحاث وفي ميادين الخلق والابداع والابتكار.

اما الغربة فقد كان وقعها عليهن ثقيلا لشدة المعاناة ووفرة المسؤوليات العائلية من زواج وتربية اطفال وحرص شديد على عدم تغريبهم وتهيئة مستقبلهم فضلا عما كن يتعرض اليه احيانا على مقاعد الدراسة او في مراكز العمل من تصرفات لا تخلو من ايحاءات عنصرية .

" عالمة في برامج ومشاريع اندماج الطاقة.اسست مفاهيم بيئية جذابة في مستقبل الاندماج النووي . وساهمت مع كبار الباحثين  في تطوير معهد تكنولوجبا الاندماج في جامعة ويسكنسون وجعله رائدا في الهندسة النووية". بهذه الكلمات المختصرة تنوّه احدى وثائق جامعة ويسكنسون- ماديسون الاميركية ببعض الجوانب المشرقة من مسيرة ليلى احمد الجبالي ( مواليد بني سويف )، اولى العالمات المصريات الاميركيات اللواتي اقتحمن عالم الهندسة النووية وحصلن على دكتوراه في زمن كان حكراعلى اقرانهن الرجال.

حصلت الجبالي على بكالوريوس في الهندسة النووية عام 1970 في جامعة الاسكندرية .واثناء تعيينها معيّدة ، تلقت منحة تعليمية من جامعة ويسكنسون – ماديسون الاميركية ونالت شهادة ماجستير في التخصص ذاته عام 1973. ثم عادت الى جامعة الاسكندرية لتنال بكالوريوس في الفيزياء (1976 ) ودكتوراه في الهندسة النووية عام 1979.

وعام 1981 عادت الى جامعة ويسكنسون وتدرجت فيها من باحثة مشاركة في قسم الهندسة النووية ( 1981- 1984) وعالمة مساعدة (1984- 1987) ثم عالمة مشاركة في قسم الفيزياءالهندسية ( 1987- 1991)، الى منصب كبير العلماء ( 1991- 2006 ) واستاذة باحثة متميزة من 2006 حتى اليوم .

وشملت اهتماماتها النووية مجموعة واسعة من الابحاث في المفاعلات الاندماجية، وتحديد مستوى الاضرار من الاشعاعات النووية، واعادة تدويرالنفايات المشعة او تصنيعها، وتصميم دروع واقية لحماية العاملين من الاشعاعات، وادارة المواد المستعملة في مفاعلات الطاقة الاندماجية وتفعيلها اثناء التشغيل وبعد تفكيكها.

تحديات الاندماج النووي

تتركز ابحاث الجبالي بشكل اساسي ، كما تقول في لقاء معها على"مصادر الطاقة التي لا تنضب وتحاكي ما يحدث داخل الشمس وان ما زالت في دائرة الابحاث ". وترى " ان "مفاعلات الاندماج النووي تعتبر المصدر المثالي للطاقة النووية بوقود لا ينفذ، اكثرنظافة وأقل تلوثا عن مصادرالطاقة الاخرى وخالية من انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون او النفايات المشعة طويلة الاجل". مشيرة الى ان طاقة الاندماج تواجه تحديات كبرى، اذ انها لن ترى النورخلال العقدين القادمين.

وتقارن الجبالي بين مفهومي الاندماج والانشطار النوويين، وترى ان كليهما نقيض الآخر . فالانشطار النووي( Fission) المستخدم حاليا في المحطات النووية لتوليد الكهرباء، تتفتت خلاله نويات اليورانيوم باستعمال نيترونات فتطلق طاقة هائلة يتم تحويلها الى تيار كهربائي . انما ما يجري في الاندماج النووي فهو عكس ذلك، اذ يوحّد النويات الصغيرة للهيدروجين لتكوين نواة اكبر وتفاعله يطلق طاقة ضخمة، اضافة الى أن الاندماج لا يخلّف نفايات مشعّة كما يحدث في الانشطار وذرّاته الخفيفة اكثر توافرا من اليورانيوم. والمادة الاولية للاندماج هي الديوتريوم المتوفرة في مياه البحار والمحيطات الى ما لا نهاية لها في حين ان اليورانيوم، وقود الانشطار، هو خام نادرالى حد بعيد. اضافة الى ان الانشطار يسبب تلوثا للبيئة نظرا لاشعاعاته المرتفعة التي تستمر لفترات زمنية طويلة تصل الى مليارات السنين . ومع هذه الامتيازات للاندماج النووي الا أن أهم المشاكل التي تواجهه تكمن في الحصول على درجة حرارة عالية تبلغ ملايين الدرجات المئوية لتسخين نظائر الهيدروجين التي تشكل الوقود الاندماجي.
وتعتقد الجبالي ان طاقة الاندماج ستغير مستقبل العالم في العقود القادمة لا سيما في مجال توفرالوقود وضمان الامدادات المستقبلية بالطاقة للصناعات العملاقة والمدن الحديثة والاقتصاديات التي تتنامى بسرعة .

وتميّز الجبالي بين نوعين من هذه الطاقة : طاقة الاندماج المغناطيسي وطاقة اندماج القصور الذاتي . فالاندماج المغناطيسي يتمتع بوجود قوى مغناطيسية كبيرة تضغط على البلازما الساخنة لتتم عملية الاندماج بعيدا عن الحوائط المحيطة بالبلازما . ويعتبر مفاعل الاندماح المغناطيسي ( توكاماك –Tokamak) اي الغرفة الدائرية داخل مستحدثات مغناطيسية، هو في الوقت الحالي الاكثر تقدما، الا انه ما زال في طور البحث والتجربة ولم يبلغ مرحلة الاستغلال الاقتصادي  وتفاعله يشبه الكعكة مع بلازما بيضاوية الشكل . ويحتاج الى رفع حرارة البلازما الى درجة اندماج نووي. ما يعني ان البلازما ذات الحرارة العالية جدا ينبغي فصلها وابعادها وعدم ملامستها مكونات المفاعل خشية اتلافها والتسبب في برودتها وانقطاع التفاعل الاندماجي .                   

أمّا في اندماج القصور الذاتي ، فتسلّط اشعة الليزر ( او الايونات ) على اهداف صغيرة تحتوي على الوقود المكون من نظائر الهيدروجين لخلق بلازما عالية الكثافة تحت ضغط عال . وترى انه رغم الاختلاف التام بين فيزياء الطاقة الاندماجية بالمغناطيسية والقصور الذاتي، الا ان هناك الكثير من التشابه في تفاصيلهما الفنية .

وفي هذا الصدد تشير الجبالي الى ان ابحاث الاندماج المغناطيسي والقصور الذاتي تواصلت على مدى سنوات طويلة  في الولايات المتحدة الاميركية واوربا واليابان وروسيا والصين وكوريا والهند وكندا . ويوجد اليوم مئات المفاعلات التجريبية في هذه البلاد. بينما يعتبر مفاعل ( ايتر-ITER ) في جنوب فرنسا اكبر مفاعل تجريبي للاندماج المغناطيسي في العالم  يتوقع ان ينتج اولى عينات البلازما عام2024. اما منشأة الاشعال الوطنية ( NIF- National Ignition Facility) التي تم تدشينها في كاليفورنيا عام 2010، فتعتبر مفاعلا ضخما مبنيا على الليزر ويعمل باندماج القصور الذاتي،  ويستخدم ليزر قوي لتسخين وضغط كمية صغيرة من وقود الهيدروجين الى النقطة التي تبدأ فيها تفاعلات الاندماج النووي. وهذه المفاعلات تعتبر محاولات جادة لمحاكاة عملية انتاج الطاقة في الشمس من خلال مفاعلات الاندماج النووي بغية الوصول الى انتاج تجاري للكهرباء وما يرتبط بها من مصالح حياتية واقتصادية وتكنولوجية وغيرها.

معالجة النفايات النووية

 وفي سياق متصل تؤكد الجبالي على ان الاندماج النووي(Fusion ) المنتج لتوليد الكهرباء " يتميز بالامان والسلامة والبيئة الحميدة مقارنة مع انواع اخرى من الطاقة ".ومع ذلك تميل محطات الاندماج النووي الى انتاج كمية كبيرة من المواد المشعة، ولكنها ذات عمر قصير لايتجاوز مئات السنين، قياسا الى ما تنتجه  مفاعلات الانشطار( Fission ) من مواد مشعة تستمر آجالا طويلة قد تصل الى ملايين او مليارات السنين.

وترى ان" التعامل الصحيح مع المواد المشعة مهم لمستقبل طاقة الاندماج، وان مشكلة التعامل مع مثل هذه المواد قد تم التغاضي عنها في العديد من الدراسات السابقة او تأجيلها الى نهاية التشغيل للتخلص منها بدفنها في باطن الارض علما ان طمرها في حفر عميقة لا يحول دون تسربها الى التربة ومصادر المياه وتهديد وجود الكائنات الحية على سطح الكوكب وهذا ما اكدته تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2007" . وتضيف "في الواقع ان التخلص الجيولوجي لمواد المفاعلات الاندماجية ( والانشطارية )  ليس خيارا بيئيا جذابا . لقد اقترحنا استراتيجية متكاملة للتعامل مع المواد المشعة الناتجة من المفاعلات الاندماجية ،وبصورة اكثر تحديدا اعادة تصنيع او تدوير (Recycling ) المواد المشعة وتجنب خيار التخلص الجيولوجي بغرض الاستفادة من هذه المواد الثمينة لمرات عديدة وتقليل العبء الاشعاعي على الاجيال القادمة".

وتشير الجبالي الى ان العديد من الصناعات المختصة بمفاعلات الانشطار تعمل حاليا على وضع تقنيات متقدمة لاعادة معالجة الوقود النووي المستعمل ، علما ان الوكالات التنظيمية قد اصدرت مبادئ توجيهية على مدى ال 15 عاما الماضية للافراج (clearance) عن المواد التي تحتوي على قدر ضئيل من الاشعاع لافتتة الى ان مثل هذه التطورات ستكون ذات اهمية كبرى لمفاعلات الاندماج . 

نشاط نووي دولي

تصدرت الجبالي كما تشير وثائق جامعة ويسكنسون مواقع ريادية في كبريات المؤسسات النووية الاميركية والدولية وساهمت بتطوير العديد من ابحاثها وبرامجها وانشطتها.فهي رئيسة المجموعة النووية في "مركز ابحاث تكنولوجيا الاندماج النووي- Fusion Technology Institute " في جامعة ويسكنسون . ورئيسة المهام النووية في "المشروع الاميركي  الوطني" لتصميم مفاعل الاندماج النووي(Fusion Nuclear  Science Facility - FNSF ) المعني بدراسة  علوم طاقة الاندماج لتحديد احتياجات البرامج البحثية، ومندوبة الولايات المتحدة الاميركية لدى وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency – IEA) للاشراف على دراسة النفايات المشعة  للمفاعلات الاندماجية، علاوة على شهرتها كخبيرة دولية في مجال التحاليل المتعددة الابعاد( 3D ) لانتقال النيوترونات (Neutronics).

كما تتولى رئاسة تحرير "النشرة الاخبارية نصف السنوية" التابعة للجمعية الاميركية النووية – قسم الطاقة الاندماجية، وتشغل عضوية مجلس تحرير مجلة " علوم وتكنولوجيا الاندماج" من 2011 حتى اليوم،   كما كانت رئيسة البرنامج الفني للجمعية الاميركية للطاقة الاندماجية عام 2004 ، وعضو اللجنة الفنية للمؤتمر الدولي  (ICENES- International Conference on Emerging Nuclear Energy Systems  ) الذي انعقد عام 2013 في مدريد – اسبانيا – حول الطاقة النووية وانظمتها، وممثلة الولايات المتحدة الاميركية في برنامج التعاون على ادارة المواد المشعة من المفاعلات الاندماجية  مع اوروبا واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية. وعضو اللجنة الفنية للمؤتمر الاميركي لتكنولوجيا الطاقة الاندماجية (Technology  of Fusion Energy) الذي انعقد مؤخرا في كاليفورنيا عام  2014 اضافة الى عضويتها في الجمعية المصرية للمهندسين المهنيين.

وفي رصيدها العلمي اكثر من 250 بحث حول التحليل النووي، وتصميم بطانة الحماية من الاشعاع، وتفعيل وادارة النفايات المشعة، اضافة الى سبعة فصول كتب تتناول دراسة وتطور مفاعل  الاندماج النووي في الماضي والحاضر والمستقبل. وهذه الفصول والابحاث العلمية  منشورة بين اعوام  1984 و2014  في مجلد " موسوعة الطاقة النووية – العلوم والتكنولوجيا وتطبيقات" ومجلة علوم الاندماج والتكنولوجيا(Fusion Science and Technology)،  ومجلة تصميمات طاقة الاندماج ( Fusion Engineering and design ).