المديرُ الأسبق في "منظمة العفو الدولية" في كندا روجِر كْلارك: "فلْنَحرص على منعِ ترحيلِ حسن دياب تعسفاً مجدَّداً" (الجزء الأخير)

  • article

زينب مرعي، صدى المشرق

"مما لا يزال يذهلني أن يتمكن حسن – وإن عاد غاضباً بعد إمضائه أكثر من ثلاث سنوات في السجن الفرنسي، معظمها في الإنفرادي – من الحفاظ على ثباته وروحه المرحة. إن قدرة عقل الإنسان على حماية نفسه مذهلة"، والرأي للمدير الأسبق في الفرع الكندي لِمنظمة "العفو الدولية" روجِر كْلارك في خلال تداوله في قضية الأستاذ الجامعي حسن دياب مع صدى المشرق".

 

كيف هي حياة دياب العائلية؟

"حياة حسن المنزلية مؤثرةٌ منذ عودته، فقد جدد اندماجه بعائلته، كما أن رانيا كرَّست مجهودها لعائلتها... منذ عامين انتقلت العائلة إلى منزل صغير مُرفَق بحديقة، ولطالما كان حسن من مُحبِّي التنزه في الطبيعة والبَستنة والطبخ. يصطحب ولديه للسباحة عادة ويرعاهُما. إنه شخص محُب لعائلته ومميز بثباته وروحه المرحة"، والكلام لِكلارك.

حافظت العائلة على تواصلها مع أقربائها في لبنان والولايات المتحدة. وعندما كان دياب مسجوناً، سافرت زوجته الأستاذة الجامعية رانيا طفيلي إلى باريس مع ولديهما لرؤيته.

لكن للعودة من فرنسا إلى كندا، "لم يستخدم دياب خطاً جوياً عادياً قد يمر بالولايات المتحدة بسبب إدارج اسمه على لائحة الممنوعين من السفر (no-fly list). لذا استخدم رحلة تعود للطيران الآيسلندي"، والكلام لِكلارك الذي وُلِد في محلة يوركشِر (Yorkshire) في شمال إنكلترا وقدم إلى كندا عام 1962، مباشرةً بعد تخرجه من الجامعة.

لدى سؤاله إن كان ولدا دياب واعيَين لِما يجري، قال كلارك إن "جنى قد تتذكر زيارة حسن في فرنسا، ولا يبدو أن الموضوع قد أثَّر عليها، لكن الأطفال قد يخفون كثيراً من أحاسيسهم، فهذا ما أراه في أحفادي. أما جاد فربما أقل تأثراً كونَه أصغر من أخته"...

 

عائلةٌ من المتضامنين مع دياب

"قد تتجاوز شبكتنا المؤلَّفة من المتضامنين النشطين في كندا ألفَي شخصٍ، نعتمد عليهم لجمعِ التواقيع والتبرعات. وقد أطلق آخرون حملةً باستخدام البطاقات البريدية بدعمٍ من مكتبة "Octopus Books" في أوتَوا"، والكلام لِكلارك.

كما ساندَ الأستاذَ الجامعيَّ دياب كلٌّ من دُن دايفيز (Don Davies) النائب عن دائرة فانكوفر كِنغزْواي (Vancouver Kingsway) وإلِزابِث ماي (Elizabeth May) زعيمة حزب الخضر في المجلس النيابي والنائب عن دائرة "سانِتش غَلف آيلَندز" (Saanich-Gulf Islands).

"هناكَ ما أخذ بمجامع أفكاري في بداية اهتمامي بِهذه القضية. فعندما سُمِح بالإفراج المشروط عن حسن في كندا عام 2008، سُمِح له بالتنقل في أرجاء أوتَوا، لكن وجَب عليه تقديم مبلغ ضخمٍ من الضمانات المالية. ولذلك تحرك ثلاثة أو أربعة على الأقل من المتضامنين معه لرهن منازلهم أو تجديد رهنها كي يوفِّروا الأموال اللازمة لدعمه. وبعد ثلاثة عشر عاماً، ما يزال بعضهم نشِطاً كما كان"، والكلام لِكلارك.

"دُن باين (Don Bayne) محامي حسن في كندا، مثلاً، يلازم العائلة منذ 2009 وقد سافر إلى لبنان أيضاً. إهتمَّ بالقضية منذ بداياتها بعد أن توجَّهت رانيا لرؤيته، وقد أَثَّرت فيه شخصيتها وإرادتها فقرر تولِّي قضية حسن... هو أشبه بمخزنٍ للطاقة، يتابع التواصل مع فريق حسن القانوني في باريس، وهو مُلِمٌ  بِالطروحات المستندة إلى الشرعة الكندية في ما يخص قانون الترحيل وإخفاقاته"، والكلام لِكلارك.

في السياق نفسه، تضم الكتلة المحورية من مؤيدي دياب ما بين 20-30 مثقفاً وناشطاً اجتماعياً مكرَّساً للقضية، وقد كان على بعضهم خوض معاركه الخاصة أو الإشتراك في بعض القضايا الكبييرة في كندا، مثل آلِكس نيف (Alex Neve) خلَف كلارك في الفرع الكندي من منظمة "العفو الدولية"، وتِم مَكسُورلي (Tim McSorley) المنسق العام لدى "المجموعة الدولية للإشراف على الحريات المدنية" (ICLMG) التي أسَّستها مُنية مازيغ (Monia Mazigh).

"القضية جذبت اهتمام أزواج مؤيدي القضية أيضاً. لذا فهذه العائلات بكرمها وتعاطفها وكرمها تشكل قوة كبيرة. لقد كرَّسنا أنفسنا للقضية وسنتابع عملنا". هذا ما يؤكِّده كلارك، الذي درَّس في مقاطعة نيوفاوندلاند ولابرادور (Newfoundland and Labrador) تسعة عشر عاماً.

يقول الناشط مازحاً: "أصبح لِجنى وجاد الكثير من الأصدقاء الجدد من المسنِّين. كما باتت امرأتان على الأقل أشبه بجدَّتَيهما، وأنا متأكد أن هذا الأمر يعني الكثير لِرانيا وحسن... من الطريف أن الولدان غالباً ما يفاجئاننا أمام الشاشة ونحن نعقد اجتماعاتنا عبر منصة "زوم" (Zoom)، فبينما يتحدث حسن إلينا، قد نرى جنى وهي تلوِّح بيدها للجميع، أو جاد وهو يتسلل بالقرب من زاوية الغرفة"...

 

التمويل

يقول كلارك: "نحتاج لتمويل الحملة، خصوصاً لتأمين كلفة الإجراءات القانونية الكبيرة في فرنسا، ففي كل مرحلة من المحاكمة والاستئناف تُستَحق فاتورة جديدة للمحامين المعنيين. المحامون الفرنسيون (العاملون على القضية) مشهورون ومُؤَهَّلون جداً، ونحن نتبادل الاحترام الكبير والعلاقات الجيدة، وهم يسارعون إلى التواصل مع حسن بالنسبة لأي تطورٍ جديدٍ في فرنسا. لكن كل هذه الأشياء مكلفة، وقد نجحنا في تمويل القضية، وهذا بِاعتقادي يعكس فهماً واسعَ المدى لقضية حسن. فالدعم الذي يلقاه من أموال المتبرعين ومن توقيعِ العرائض مشجِّعٌ".

لدى سؤاله إن كانت الجائحة أخَّرت جهودَ الحَملة، يقول كلارك: ..."يبدو أن الصحافيين باتوا أكثر استعداداً للتواجد معنا وطرح الأسئلة. لكن اهتمام الناس موجَّه إلى أمكنة أخرى، وهم أقل تركيزاً على بعض المسائل التي نود أن يفكروا فيها، فهُم أكثر انشغالاً بمسائل اللقاح المخصص للجرثوم التاجي والقدرة على السفر ولقاء معارفهم، وهذا أمرٌ مفهوم طبعاً، لكنه يصعّب الأمور قليلاً.   

لذا إن حل الوقت المناسب سنعاود إقامةَ المظاهرات العامة أمام مكتب رئيس الحكومة وغيره".

 

سرّاء وضرّاء

يستذكر كلارك اللحظات الحلوة المُعاشَة بالرغم من الواقع المر، قائلاً: "لقد أوجدَ التطوع، كما التضامن والرفقة بين الذين وحَّدوا جهودَهم المكرَّسة لهذه القضية، بعضَ اللحظات الحلوة في تجربتنا هذه"، وقد يمر بها المتضامنون إن كانوا يحتفلون بعيد ميلادِ أحدٍ من الأُسر المشاركة أو يقيمون اجتماعاً ما.

"كانت عودة حسن إلى كندا في كانون الثاني من عام 2018 جزءاً من الأوقات الأخرى الحلوة التي مرَرنا بها... فقد أُفرِج عنه يوم الجمعة، وأقلَّه محاموه من السجن يومَها واصطحبوه إلى منزل أحد الأصدقاء. وبحلول نهاية الأسبوع كانت الرحلات الجوية جاهزةً بالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية الكندية، لذا كان حسن على متن الطائرة بعدَ يومين، وقد شجَّعتنا المساعَدةُ الكبيرةُ التي قدَّمها المعنيون في السفارة الكندية في باريس، كما حرصُهم على وصول الجميع إلى المطار بسلامة".

يشير كلارك إلى أن وزيرة الخارجية الكندية آنذاك كريستيا فريلاند (Chrystia Freeland) طلبت من السفارة إرسال شخصٍ ليرافق الأستاذ الجامعي دياب في رحلته، وهذا ما جرى على متن الطائرة الآيسلندية.

يقول كلارك إن لحظة عودة دياب "كانت رائعة"، وقد التقط كلارك صورَ الولدين مع والديهما في المطار. لكنه يشير أيضاً إلى "الأوقات المحبِطة التي يحتاج فيها المرء للدعم، فقد خُيِّبَت آمالنا بالنسبة لجملة من المسائل. ظننَّا أن نتيجة استئناف قضية حسن لدى المحكمة الفرنسية العُليا ستكون مختلفة، وأن المحكمة العُليا ستُبطِل القرار القضائي الأسبق فتوقف المحاكمة، لكن ذلك لم يتحقق. لذا نسعى لفهمِ الدوافع والظروف والخلفيات الجغرافية السياسية القائمة والقِوى المؤثرة، فلا بد لنا من التنبه إليها.  

من اللافت فعلاً أن اثنتين أو ثلاث من المنظمات اليهودية القوية في كندا مثل "الأصوات اليهودية المستقلة" (IJV) قد تقدَّمت لدعمِ حسن. كما أن أحدَ أعضاء "المجلس اليهودي الكندي" (Canadian Jewish Congress) في تلك الفترة، أي عامَ 2009، قد أعاد النظر في موقفه بعدها، وهو يؤكِّد أنه أخطأ في رأيه في قضية حسن وأنه يدعمه. أفترض أنه بموقفه هذا يلمِّح أيضاً إلى خطأ "المجلس اليهودي الكندي"، ولهذا الكلام وزنٌ كبيرٌ".

 

إشاعة القضية بين الناس

يرى كلارك أن إشاعة القضية بين الكنديين اللبنانيين والعرب "عنصر مهم، خصوصاً مع اتِّساع التداول بشأن مسائلَ مثل الكره للإسلام (Islamophobia) ومناهضة السّاميّة. فكلما تحدثَت المنظمات بشفافية ومنطقٍ عن الظلم الذي أُنزِل بِحسن كان ذلك أفضل. لا أرى أي حل سهل في الأفق، لكن إن توفر الحل فسيكون عبر تحريك عناصرَ كثيرة من المجتمع الكندي.

لكن القلق يساور بعضاً من المجموعات الحديثة الهجرة إلى كندا لاعتقاد أفرادها أنهم إن شاركوا في قضية كهذه سيورِّطون أنفسهم بمسائل سياسية إشكالية، وقد يعانون من عواقبها أو يُأخَّرون عن نيلِ المواطَنة الكندية... الإنسان بطبيعته يفضِّل الهدوء على تحمُّل المسؤوليات، وهذا نوع آخر من التحديات التي نواجهها.

كما أن اطِّلاع العامة على قضية حسن في لبنان محدودٌ جداً. أتخوف أيضاً من قلة اهتمامِ المجتمع الفرنسي بالقضية، فالجهات الوحيدة المهتمة بالقضية في فرنسا هي الجماعات الصهيونية التي ما زالت مصممةً على محاكمة حسن والتوصل إلى إدانتِه".  

 

ما العمل إن فُرِضَ أمر الترحيل؟  

"إن وُجِد حسن مذنباً وحُكِم عليه، فسنتوجه إلى استئناف القضية مباشرةً لدى "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" (European Court of Human Rights)، التي أصدَرت حتى الساعة بعض الأحكام الجيدة بالنسبة للحريات الشخصية.

بأي حال، الفريق القانوني الفرنسي الذي يحظى به جيد جداً، أي فريق وِليَم بوردون (William Bourdon) وشركائه، وأعلم أنهم فكروا بهذا الاحتمال، وإنما للأسف تتطلب المعاملات لدى المحكمة الأوروبية الكثير من الوقت"، والكلام لِكلارك.

 

المخابرات السّرّيّة والخلفيات الجغرافية السياسية 

كلارك عايشَ فترة الحرب العالمية الثانية في طفولته، وما يزال يذكر بعض المناطق التي دمَّرها القصف، فلم تفارق التجربة التي عاشها في تلك الفترة بالَه، وهو يعتقد أن "الخلفيات الجغرافية السياسية – الكامنة في قضية حسن بالتأكيد وفي الكثير من القضايا الأخرى – تُخفي حقيقة قيامِ الحكومات في ما بينها بما تشاء من غير أي تدقيق أو مساءلةٍ من عامة الشعوب، وهذا أمرٌ مؤسِفٌ جداً.

أسئلة كبيرةٌ تُطرَح هنا: على أي أساسٍ سيُجرون المحاكمة؟ ما الدليل الذي يستطيعون تقديمه؟ أسيكون دليلاً منطقياً أصلاً؟ من أين سيأتون به؟

مما نخشاه أنهم قد يحاولون تقديم المعلومات الاستخبارية السرية مجدداً، أي كالمعلومات التي قدَّموها في بداية القضية كجزءٍ من طلب الترحيل الأول، والله أعلم من أين جاءوا بها. فإلى اليوم، لا أحد يعلم من أين أتوا بذلك. حتى الفرنسيين أنفسهم قد لا يعلمون.

نشك في أنهم أتوا بها من ألمانيا الشرقية، فتلك كانت فترةَ انهيار النظام الألماني الشرقي، وقد كُشِفَ فيها الكثير من سجلات الاستخبارات السرية مع تعميمِ ملفاتِ "شْتازي" (Stasi).  

قبل الإفراج عن حسن بفترة وجيزة، تقدم جهاز المخابرات الإسرائيلية السرية باقتراحاته إلى اثنين من القضاة المحققين بِزعمِ امتلاك المعلومات التي ستساعد في إدانة حسن. لكن لم يكن لدى الجهاز أي معلومة معقولة، فقد قدَّم مجموعةً من المعطيات التي كان بعضها خاطئاً، كالتواريخ. عملياً لم يقدم الجهاز أيَّ جديد".

لذا يعتبر كلارك أن ذلك "بدا أشبهَ بآليةٍ للمماطَلة، فقد أجَّلت الإفراج عن حسن شهرين – على الأرجح. عكِرٌ جداً استخدام المعلومات الاستخبارية الإتهامية مجهولةِ المصدر، التي لا أساس لها ولا مجالَ لتقديمها في المحكمة بأي أسلوب قانوني. فلا يمكن لِجهة الدفاع استجواب ضابط المخابرات السرية حتى لو سلَّمنا جدلاً بأننا سنجد هذا الشخص.

كما نخشى أنهم قد لا يغضّون النظرَ عن معلومات المخابرات السرية، التي قد تكون مُدرَجةً في ملفات النظام القضائي الفرنسي. وبالرغم من اعتقادي أن المحاكم الفرنسية ستتردد في استخدام هذه المعلومات، فلستُ أعلمُ إن كان الأمر ينطبق على معاملات محكمة مكافحة الإرهاب".

 

"ثم أتَوا للنَّيلِ مِني"

يؤمَل أن لا يُضيَّع أبداً كفاح الأستاذ دياب وزوجته ومناصريه، وأن لا يكون النظام الكندي المشبع بالكره للإسلام والتنميط العِرقي قد خلَّف الندوبَ في جنى وجاد – المواطنَين الكنديَّين – حين يكبران.   

يقول الناشط الذي كرَّس وقته لهذه القضية: "عندما سألتُ حسن إن كان يريد أن يطلب من الناس مشاركته في قضيته وأن يحاجِجَهم بإمكانية تعرِّضهم لما يتعرض له، ذكرَ مقولةَ القس الألماني مارتِن نِيمولر (Martin Niemöller): ʼبدايةً أتَوا للنيل من الشيوعيين، ولَم أعترض لأنني لم أكن شيوعياً. ثم أتَوا للنيل من الإئتلافيين التجاريين (trade unionists) ولم أعترض لأني لم أكن ائتلافياً تجارياً. ثم أتَوا للنيل من اليهود ولم أعترض لأني لم أكن يهودياً. وبعدها أتَوا للنيل مني ولم يكُن قد تبقى أحدٌ ليعترض لأجليʻ".

 

الصورة الأولى حوَّلت الشعار الفرنسي (الحرية والمساواة والأخوّة) إلى "الحرية لحسن دياب، والمساواة القانونية له، والأخوّة بالتضامن معه".

في الصورَتين أدناه: المحامي دونَلد باين (أمام المِذياع) والأستاذ الجامعي روجر كلارك

 

المقال الأول:  صدى المشرق (sadaalmashrek.ca)

المقال الثاني: صدى المشرق (sadaalmashrek.ca)

معرض الصور