اغتيال خاشقجي.. أغبى عملية في التاريخ!

  • article

طلال طه - مونتريال

لا يزال النبض الداخلي لهذه العملية يتحرك، ويقود العناوين الإعلامية العالمية فترة بعد أخرى، خصوصا في الذكرى السنوية التي تقترب من الثالثة، أما الحراك الأكبر فكان وسوف يمسي الحدث الأهم بعد نجاح بايدن في الانتخابات الأمريكية واصراره وادارته الجديدة على فتح هذا الملف لاعتبارات نعود لاحقا لذكرها!

لا شك أن هذه العملية التي تم التحضير لها لشهور طويلة، كانت وستبقى لفترة متطاولة في الزمن تعتبر أغبى عملية "أمنية" "سرية" على الاطلاق في الاغتيال السياسي!

فبعد عدة ساعات من دخول الصحفي جمال خاشقجي الى القنصلية السعودية في إسطنبول واختفائه هناك، كانت الكرة الأرضية في أطرافها الأربع تعرف القاتل، ولديها كم كبير من المعلومات حول هوية وتفاصيل عملية القتل.. وبكل اللغات المحكية فوق هذا الكوكب، كلها تشير الى الدب الداشر ولي العهد محمد بن سلمان!

التخطيط للعملية بدأ - في رواية - بعد تزويد كوشنر لمحمد بن سلمان في زيارة عاجلة الى الرياض بخبرية وصول رسالة من مجموعة من أمراء سعوديين يعترضون على ولاية العهد للصبي بن سلمان، وربما يخططون ويطالبون الإدارة الامريكية بالتدخل لتصحيح الوضع، هذه الرسالة وصلت الى إدارة ترامب عبر "المعارض" جمال خاشقجي الذي كان يقيم حينها في واشنطن ويكتب في الـ "واشنطن بوست"..

الرسالة التي من المفترض انها عالية السرية، والتي تتعلق بأحد أهم الحلفاء في المنطقة العربية والشرق أوسطية وعلى مستوى العالم، وصلت الى مكتب "العائلة" في البيت الأبيض، عائلة ترامب التي كانت تدير الحكم مثل أي شركة تجارية أو عقارية كـ "family business"!

ومثل أي مخبر وضيع تحرك كوشنر وعمه ترامب للنميمة لدى محمد بن سلمان وبيعه أو تسليفه المعلومة، وبالتالي ابتزازه وتكبير الفاتورة عليه وعلى نظامه وتدفيعه مسبقا ثمن حلمه بالوصول الى سدة الحكم في المملكة!

وهكذا وصلت اللائحة لبن سلمان، فكان ما كان من دعوة الموقعين على الرسالة وغيرهم من المعترضين الى احتفالية هجينة وفريدة في الحكم في القرن الواحد والعشرين، في فندق الـ "ريتز كارلتون"، حيث استضاف الامراء من أولاد عمومته وغيرهم من كبار العائلة وكبار التجار وتمت محاسبتهم ومعاقبتهم وتعذيبهم واهانتهم وتجريدهم من أغلب ممتلكاتهم وثرواتهم المنقولة وغيرها..

الذين كانوا في المملكة وصلوا باكرا الى الفندق، بعضهم تأخر قليلا لأنه كان خارج المملكة كالوليد بن طلال وآخرين، أما جمال خاشقجي فكان في أمريكا ورفض العودة الى السعودية، رغم الاغراءات الكيرة التي قدمت له، ومنها أن الملك يريد أن يقابله شخصيا للبحث معه في مستقبل المملكة!

استضافة الفندق أتت أكلها في اخلاء الساحة للدب الداشر محمد بن سلمان، لكن غريزة الانتقام والروح الحاقدة والنفسية المريضة دفعت بن سلمان للتخطيط مع أخيه الذي كان سفيرا للملكة في واشنطن للانتقام من خاشقجي بطريقة ما، خصوصا بعد ان رفض عدة مرات الدعوة للعودة الى المملكة، فهو الوحيد الذي لم يعاقب من أسماء اللائحة المعترضة على وجوده في واجهة الحكم بالقوة مع وجود أبيه وبالفعل بعد رحيله المحسوب!

وكان صوت جمال قد بدأ يعلو في بعض الكتابات والإشارات خصوصا فيما يتعلق ببعض سياسات محمد بن سلمان الذي كان الحاكم الفعلي للملكة بدل الملك الذي تتحكم به مجموعة من العلل والامراض!

من المطالبة ببعض الحريات، الى انتقادات بسيطة لحرب اليمن ومحاصرة قطر واعتقال الحريري بقوله في مقال: ان السعودية تثير الفوضى في لبنان!

كل ذلك راكم مجموعة من الأحقاد والهواجس لدى الأمير الشاب الذي لا يأنس لهذا الترف من الحريات!

وقد كان من حسن حظه ربما، ولاحقا من سوء طالعه، أن الإعلامي المخضرم الدكتور أسامة فوزي أذاع حلقة مباشرة على الهواء في قناته على اليوتيوب حذر فيها جمال خاشقجي من محاولة اغتيال تخطط لها السفارة السعودية في واشنطن، وحين أذيع الخبر وسمعت به السفارة احجمت عن فعلتها وغيرت مخططها نحو تركيا، وفي نفس الوقت كان رد فعل جمال خاشقجي باردا ومتذاكيا وغبيا في مكان، إذ اعتبر أن أسامة فوزي أو أبو نضال: يبالغ قليلا - مازحا!

طبعا، يحق ربما لجمال خاشقجي ألا يأخذ الامر على محمل الجد، فهو وأبيه وعمه وعائلته من الأصول التركية هم أولاد النظام، وبعض الآراء التي أطلقها خاشقجي في بعض الندوات أو في التغريدات او على صفحات الواشنطن بوست لم تكن تتبنى سياسات تغيير ودمقرطة النظام، ولا المطالبة بالحريات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، الشخصية الفردية أو العامة، ولم يتناول موضوع حقوق الانسان في المملكة الا من باب بعض التمارين الرياضية في عرض بعض الأفكار العامة في الساحة الأمريكية خدمة لأجندات وتقديم أوراق اعتماد لدى المؤسسة والأجهزة في البيت الأبيض!

وكيف لجمال أن يخاف من النظام وهو لا يتبنى مشروعا اصلاحيا تغييريا مثل الذي يتبناه معارضون سعوديون آخرون يتوزعون في أوروبا والأمريكيتين ومناف أخرى حول العالم، فجمال خاشقجي يعترض على بعض الشؤون التفصيلية التي ترتبط بواقع ومستقبل المملكة على حقيقتها، ومن سوء حظه أن تفصيلا بسيطا يرتبط بأحقية وجهوزية وقدرة محمد بن سلمان على قيادة وإدارة دفة الحكم في المملكة.. هذا التفصيل كان جزءا من خطاب جمال خاشقجي الذي يخرج عاليا وعلى منصات إعلامية كبيرة كالواشنطن بوست!

ما جرى في تركيا، في إسطنبول، في السفارة تحديدا، أصبح على كل شفة ولسان، ويمكن لأي مخيال نشط أن يتصور ما جرى خلال النصف ساعة الأولى التي دخل فيها جمال الى السفارة: ترحيب مهذب، شاي ومجاملات، سؤال عن العائلة والاحوال.. ثم فتح خط مباشر مع بن سلمان، يطلب منه العودة الى المملكة، فهو مرحب به والمملكة تحتاج اليه، جمال يرفض بأدب وتهذيب، لعله يناور، وبدأ يدرك حجم الورطة التي ساق نفسه اليها، ثم بدأت لهجة بن سلمان ترتفع، وجمال يحس باللهيب الحار في رقبته، يراوغ في حدود الممكن، يفقد بن سلمان أعصابه، يصرخ بالحضور: آتوني برأسه!

ما جرى بعدها تقول جينا هاسبل، مديرة المخابرات المركزية الامريكية (سي آي إيه) التي سافرت الى إسطنبول بعد أسابيع من الجريمة، أن ما سمعته في التسجيل الصوتي، كان مقززا.. أو عبارة قريبة من ذلك!

أما مديرة الاستخبارات الجديدة، أفريل هنز فقد تعهدت بنشر التقييم والالتزام بالقانون في جلسة المصادقة على تعيينها بالكونغرس. وردّت على سؤال أحد النواب قائلة: “سنلتزم بالقانون”، حيث رفضت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب تلبية طلب الكونغرس بهذا الشأن.

وهذا ما ينتظره المتابعون حول العالم، خصوصا الوسط الإعلامي الذي لا يريد للمجرم أن يفر بجريمته دون عقاب، فهو يتوقع من إدارة بايدن ان تلتزم بخطابها الانتخابي وبوعودها في معالجة هذا الامر بشفافية وبما يسمح به القانون استجابة لصوت العدالة الذي دفنه ترامب تحت حذاء المصالح الأمريكية العليا!

نعم، لأمريكا مصالح عليا في المملكة ومعها، ولكن ليس مع هذا الصبي الارعن، كما يقول كثير من الأمريكيين وخصوصا في مجلسي الشيوخ والنواب، ومعاقبة هذا "أبا منشار" جزء من المصالحة الامريكية مع نفسها، وتأكيدا لشعارات طوباوية عالية يرفعها الأمريكيون في مواجهة خصومهم.. فالأولى أن يبدأوا مع الحلفاء.. خصوصا أن الجريمة كان مقدرا لها أن تحدث في أمريكا!

يقول وكيل النيابة العامة السعودية بعد الاعتراف بالجريمة ما نصه: لقد تمت تجزئة الجثة من قبل الفاعلين القتلة!

نعم، لقد تمت "تجزأته"، وذهب الرأس الى يزيد بن سلمان!