للبحث صلة!

  • article

طلال طه-مونتريال

تحت سقف عدم استخدام السلاح في الداخل، وخطر الوقوع في الحرب الاهلية، فتح سماحة السيد مروحة الخيارات على مداها، من التعاطي الحازم مع قطاع الطرق، الى منع البلد من السقوط والانهيار، حتى ولو كان ذلك من خارج سياق وآليات النظام والمؤسسات.

وما بين هذين الخطين أعلن السيد عن تقديم كل ما يمكن أن يساهم في تذليل عقبات الخروج من الازمة بأقل الخسائر الممكنة، على مستوى التوصيات والاقتراحات والتحذيرات وصولا الى الحلول الكبرى "التي لا نريد أن تطرح الآن لكيلا تصبح مادة للسجالات"!

في مروحة التوصيات والتمنيات والحلول والاملاءات كان واضحا أن السيد يقف في المحطات التي يرى ان يد العبث والمؤامرة هي التي تديرها وتحركها وتدفع لها ثمن الدواليب!

وفي عجالة نتوقف عند مواقف ثلاث كان صوت السيد أعلى منه في مواضع ومواقع أخرى:

أولا) في مسألة قطع الطرقات، والتي كان واضحا أنها من تدبير بعض الغرف السوداء في إدارة حركة الشارع نحو التضييق على حياة الناس تحت عنوان النزول الى الشارع لحمل مطالب الناس ورفع شعارات معاناتهم..

الغرف السوداء التي كانت تحرك إطارات الحرائق لم تكن بالذكاء الكافي لتغطية عملها تحت غطاء أمواج بشرية تتدفق الى الشوارع بعنوان الغضب من ارتفاع سعر صرف الدولار وغياب السلع الأساسية واحتكار البنزين وغيرها من الازمات التي تغفو على كتف كورونا.. تغطية قلة عدد "الثوار" الذين اقفلوا الطرقات جاءت هذه المرة من قبل قيادة الجيش تحت عنوان حق "الناس" في التظاهر والتعبير عن الرأي!

لم يكن رد سماحة السيد على هذه اللفتة الطيبة من قائد الجيش تجاه "الثوار" لينا او متسامحا، مما يشي بأن التهديد الذي اطلقه سماحته تحت عنوان للحديث صلة، كان له ارتباط بحياة عشرات ومئات الألوف من الناس العالقون في سياراتهم من جهة، ومن جهة أخرى لإسماع "قادة" الجيش الموارنة بأن زمن تقديم أوراق الاعتماد في السنوات الأخيرة من عمر العهود من قبل الجيش لأمريكا وغيرها من الدول الصانعة والمشاركة في إيصال "الرئيس الماروني" الى السلطة، هذا الزمن لا يمكن ان ينطبق على هذا العهد، وعلى دور الجيش في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ لبنان ومآلات السلطة والدولة والكيان معا، والتي تسير وتنحدر بسرعة نحو المجهول!

إن الدور التي تطمح له أمريكا لمستقبل الجيش في إدارة البلد على خلفية الصدام الحتمي مع المقاومة، هو دور خبيث ومجرم ومدمر.. للجيش أولا، المؤسسة الوحيدة الضامنة لوحدة الكيان مع هذا الانقسام السياسي الحاد عموديا وأفقيا!

ويشكل مقدمة ملتبسة ومشبوهة لدور الجيش، مما قد يشجع بعض الرؤوس الحامية لمتابعة الفعل المغامر وجرّ الجيش الى التأسيس لحرب أهلية تفر منها المقاومة فرارها من الأسد!

ويبدو ان الرسالة وصلت فحصل الانسحاب النسبي من الشارع على أمل التعويل على لقاء الرئيسين عون والحريري بداية الأسبوع، وبالتالي فقد تم انقاذ الجيش من هذا الامتحان الصعب والمعقد!

ثانيا) في موضوع انهيار سعر الليرة أمام الدولار، والذي يبدو ان الحاكم رياض سلامة هو المتهم الأول في هذا الملف من غير إعفاء الغرف السوداء من هذه التهمة، خصوصا ان اللعب هذه المرة كان على المكشوف وفي نهاية الأسبوع ومن دون منطق مالي او تجاري معتبر. المباشرة التي خاطب بها سماحة السيد رياض سلامة تؤشر أيضا الى ان السيل بلغ الزبى في هذا الملف أيضا، فإذا كان مبرر وجود الرجل في موقعية الحاكم هو المحافظة على قيمة الليرة الوطنية، فإن الهندسات المالية من التي اساءت الى علم الهندسة بالقدر الذي فشلت في إدارة الملف المالي في لبنان، وعلى مدى ثلاثين سنة من الفشل المتراكم والمتراص، لم تعد تكفي لوقف الانهيار الا بالقدر الذي يستدعي وقوف الحاكم امام القضاء وتفريع جعبته من المعلومات التي تكشف للناس أين وكيف ولصالح من خرجت من البلاد!

في العلاقة مع هذا الرجل لا يبدو ان المقاومة معنية بمصيره بالقدر الذي يفترض بالشعب اللبناني أن يطالب باعتقاله ومحاكمته ومطالبته بالاعتراف عن مشغليه ابتداءا بالحريري الأب، وذلك عبر تفريغ رأسه على الورق لمعرفة مصير حوالي 400 مليار دولار من أموال الدولة والمودعين توزعت في بنوك العالم خلال الثلاثين سنة الماضية!

ثالثا: يقول وئام وهاب ان الرئيس عون دخل في معركة ضد الفساد وهو لا يملك أدواتها، بينما الفاسدون يملكون كل أسباب ووسائل وأدوات هذه المعركة..

حين أعلن سماحة السيد حربه على الفساد منذ حوالي السنتين، كان لدى جمهور كبير من اللبنانيين وخصوصا من جمهور المقاومة الثقة بأن هذه المواجهة سوف تأتي بعض أكلها، وأن بعض رؤوس الفساد التي أينعت قد حان قطافها.. فانتهينا ببعض الفاسدين الكبار يشربون القهوة في مكتب المدعي المالي العام علي إبراهيم!

لم تكن تلك الخطوة الا مقدمة لقياس موازين القوى التي تحمي الفساد والفاسدين، أما وقد تظهرت بعض مراكز القوى التي تشكل الخطوط الدفاعية عن "حزب الفاسدين"، والتي يبدو أنها عصية على التوبة والمراجعة والإصلاح فضلا عن القبول بالمحاسبة وصولا الى إعادة الأموال المنهوبة..

لذلك وعلى خلفية هذا الفهم نفترض أن التهديد من قبل سماحته بالانتقال الى الخطة "ب" بعد فشل رجال السياسة والمؤسسات في الخروج من الأزمة، هو تهديد موجّه الى أمريكا أولا ومن خلفها حلفها العربي والخليجي تحديدا، الذي إذا أصرّ في التضييق على لبنان من خلال التضييق على الحريري في التأليف وعلى "سيدر" في التمويل وعلى الأطراف الداخلية في الإصرار في الرفض على الانفتاح على سوريا في قضايا إعادة النازحين وغيرها من الملفات.. حينها، فإن المقاومة مع حلفائها في الداخل والمنطقة والعالم سوف يذهبون بلبنان الى مكان آخر لا عودة منه!

لذلك فإن المنطق يفترض ان الذين يسمعون هذا الكلام ان يسارعوا الى تذليل الخطوات امام الرئيس المكلف بالتأليف والتمويل.. وإلا سوف يتقدم أحد متمولي بعلبك - الهرمل من الجمهورية الإسلامية في إيران بطلب الاستثمار في بناء محطة كهرباء تغطي البقاع الشمالي والجنوبي. ثم سوف يتقدم ممول آخر لبناء محطة في الجنوب أو الضاحية.. هل هذا يبدو في الشكل فدرالية محتملة، ممكن، ولكن السعودية والامارات وقطر والكويت لن يسمحوا بذلك، وسوف يسارعون الى قطع الطريق امام إيران من خلال إطلاق المبادرات التي نشك دائما بمصداقيتها!

سواء جاء هؤلاء او لم يأتوا، فإن كثير من اللبنانيين يتمنون ان يفشل الحريري في تأليف حكومته المحكومة مسبقا بالفشل، وأن تفشل حكومة حسان دياب في إيجاد التغطية المناسبة لإعادة تفعيل دورها في تسيير الاعمال في سعتها القصوى، وأن يفشل رجال السياسة في تدوير الزوايا والعودة الى المائدة المستديرة او المؤتمر التأسيسي، وان تفشل كل المبادرات الفرنسية والأمريكية والعربية المشبوهة.. حينها نتمنى على سماحة السيد أن يتقدم باسم المقاومة على مشروع حل على شاكلتها: حكمة، وعي، تخطيط، وضوح، مبادرة، شجاعة، صدق، شفافية.. وانخراط مع الناس!

لعلها من المرات القليلة التي يتمنى فيها اللبنانيون أن تفشل جميع المحاولات الإصلاحية والترقيعية للنظام، على أمل انتقال سماحة السيد الى الخطة "ب “، فلبنان الذي يمتلك المقاومة أولا ثم الجغرافيا، ثم التاريخ، ثم الخبرات والعقول ورؤوس الأموال، ثم النفط، ثم المياه والنفط، ثم النفط.. فلبنان بهذه الإمكانيات والقدرات والثروات يحتاج الى: فكرة مؤسسة، ومشروع عاقل جامع، ومبادة شجاعة.. والكثير من الدعاء!

ليكون حينها الوطن مظاهرة من روايات الناس الذين كانت دماؤهم أرخص ما قدم لمجد الانسان فوق هذه الأرض!

و"للبحث صلة"، عبارة يجب التوقف عندها طويلا.. ابتداءا من الاثنين 22 / 03 / 2021.