موسم الهجرة الى الشمال

  • article

طلال طه - مونتريال

 

عذرا الطيب الصالح إذ أسرق منك عنوان روايتك الرائعة تتحدث فيها عنها هجرة أبناء الجزء الجنوبي من الكرة، الجزء الأسمر والأسود والفقير والحار المليء بالثروات والرسالات والأنبياء والسحرة والمشعوذين والاساطير والجهل والفقر وسوء استعمال الثروة.. ثم سوء استعمال الثورة!

هؤلاء الذين يحلمون بالشمال، الشمال الأبيض، الغني بلا ثروات، القانون والنظام بلا شرائع ولا رسالات، المتحلي بالقيم والأخلاق بلا أنبياء ولا أوصياء، حيث العدل في توزيع الثروة، واحترام القانون وتقديس القيم وتداول السلطة وغيرها من كمالات الشمال!

ليس اطلاقا في تقديم الأحكام، والتبخير لكل ما هو شمال، والنيل من كل ما هو جنوب، إنما هي حركة سير الشعوب مثل الأنهار التي تحفر في الأرض والوديان عميقا وتتجه شمالا عكس حركة المياه فوق الأرض إذ عادة ما تتجه نحو الجنوب.. خلال القرن الأخير ومنذ الحرب العالمية الأولى لا تزال حركة شعوب الجنوب تتوجه شمالا حيث المنفى والمأوى والملجأ والملاذ!

لم يعجز البشر في ركوب أي شيء في البر والبحر والجو والاتجاه شمالا، رغم المخاطر لا يزال حس المغامرة يدفعهم ونوافذ ضوء وأمل تسوقهم الى الصقيع والبرد والثلج.. إذ تتحدث النبوءات عن ملك وأمير وحاكم عادل لا يظلم لديه أحد!..

بلداننا التي تكثر فيها المنابر، ولا تهدأ فيها الموعظة، ومثقلة بأخبار السماء تنظم لأهل الأرض طريقة دخولهم المساجد والكنائس والحمامات وغرف النوم.. والجنان!..

بلاد ملعونة بالأنبياء الكذبة والوسطاء الكذبة والرسالات الخلقية والطوباوية الكاذبة، إذاعات وفضائيات وبداوة وخناجر في الظهر، إمارات صممت كبيوت دعارة وممالك على شكل كازينوهات للقمار بقضايا الشعوب، وملفات مكدسة لقضايا خاسرة.. كل ذلك لكي تتجه الناس شمالا!

نلعنهم ونسبهم على المنابر – أهالي الشمال الكفرة – ثم نلجأ الى بلادهم لكي نفر من أدياننا المعششة في جنوب الكوكب تصطاد الأحرار والمقاومين وتصلبهم في إذاعاتها وفوق مآذنها!..

موسم الهجرة الى الشمال!

لله درك أيها الطيب الصالح، حين تحدثت عن الأسمر الفقير المتخلف الذي لا يملك غير فحولته يزهو بها على الشمال، يحلم بعبور الأبيض المتوسط شمالا الى الانثى الببضاء الثرية المتنورة التي سبقته في المدنية والحضارة لينتقم الجنوب من الشمال في السرير وغرف النوم!

ما فتئت انتصارات الجنوب على الشمال تسجل هذا النوع من الانتصارات لأننا لا نحمل معنا بضاعة تليق بهم.. وتليق بنا معهم وفيما بينهم!

أنقدّم لهم دينا فقد صلاحيته مذ أقفلت أبواب الاجتهاد؟ أنقدم منظومة أخلاق وقيم البداوة والصحراء والعشيرة والثأر والقتل والسحل وقطع الرؤوس؟ أنقدم لهم برنامجا سياسيا في شورى التجار والكهان وعلماء السلطان؟ أنقدم لهم ابن سيتا والخوارزمي وجابر بن حيان وابن النفيس والفارابي وغيرهم؟.. أين هم في حياتنا المعاصرة؟!

لا نملك ما يليق لكي نقدمه بين يدي صدقة، فهم يملكون الشرائع والأنظمة والقوانين والعدل والقيم والأخلاق والشفافية والمصداقية وحسن توزيع الثروة واحترام الانسان ومعيشته وصحته وتعليمه وشيخوخته وحريته العقيدية والفكرية والثقافية، ويحترمون كذلك موروثه الثقافي وشعائره الدينية ولغته الأم وعاداته وتقاليده.. نعم هناك أمثلة مضادة هنا وهناك، لكننا نتحدث عما هو عام ومطلق ومنصوص ومحترم ويسهر الجميع على تطبيقه ورعايته والتعامل معه من خلال آليات تداول للسلطة مقونن ومنظم وشفاف!..

هذا ما توصل له العقل البشري، لم يكن بعيدا عن قيما السماء، فيه الكثير من صفائها ومحبتها وعدلها وخالص نصوصها.. فيها الانسان هو القيمة الأولى والمحور والواسطة والهدف، كل ما كتب وما شرع وما نص عليه في خدمة هذا الأنسان.. ولقد كرمنا بني آدم.. في الشمال!

أسوق هذا الكلام، والنيران تشتعل في بلاد المسلمين خاصة، حيث الدين يحتل الهواء في المساجد والكنائس والمنابر والفضائيات والأثير والهواء، تتشابك قيم السماء فتندلع الحروب تحيط ببلاد المسلمين في ليبيا واليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وأفغانستان وغيرها.. وتقترب النار من دول أخرى وإمارات وممالك!..

قبل نهايات القرن الماضي كانت حروب كثيرة، وخصوصا في مرحلة الحرب الباردة، تندلع في شرق آسيا والشرق الأوسط وافريقيا على مساحتها وفي أمريكا الجنوبية والوسطى.. كل هذه الحروب توقفت بما فيها الحرب الباردة وتحولت الى حروب بيننا وعلى أرضنا وبأموالنا وبشرنا وحجرنا.. ومرفأنا!

هذه الحروب تشكل أهم عوامل الهجرة نحو الشمال، عبر البحر والبر والجو إذا أمكن، بطرق شرعية أو غيرها، بتخطيط محكم عبر السفارات، أو مغامرة عبر المراكب والقطارات وشاحنات التهريب..

أملا بشمال يميل الى الهدوء، بسقف وحذاء ولقمة عيش كريمة، بفرصة لتعليم الصغار والاطمئنان الى وداع الكبار بكرامة وعزة نفس، في مآوي العجزة.. لكن بكرامة!

توقفت الحروب.. ثم اندلعت نار المرفأ.. منذ زمن قديم وهذا المرفأ منذور للهجرات منه أو بسببه!

عائلات كثيرة من الذين نعرفهم من الذين انهوا تعليمهم في كندا عادوا بعائلاتهم الى وطنهم في الجنوب، حيث الأمل بشمس أكثر دفئا، وجدات يحنون على الأحفاد، ومجتمع تكثر فيه الصلوات والأدعية ويرتفع منسوب العزة والفخر عن المتوسط في حياة الناس.. فيحلوا للبعض أن يلعبوا بالنار في حديقة المرفأ الخلفية، حيث يستقر الشيطان هناك منذ سنوات.. ينتظر حسب التوقيت الصيفي للأحداث!

كثير من هؤلاء الناس عادوا الى الشمال، والى كندا تحديدا، آخرون يتصلون ويحاولون تمرير الخبر مواربة، الذين لا يعرفون كندا الا عبر نشرات الأخبار قدموا أوراق اعتمادهم، يسألون عن أسرع الطرق وأبسطها لعبور البحر ثم المحيط.. للاستقرار في الشمال، في بلاد الكفر، في كندا!

نطمئنهم: في كندا ملك عادل لا يظلم عنده أحد، في بلاد الكفار حيث نعيش منذ أربعة عقود، ويحثنا الذين جاؤوا قبلنا، أنهم لم يضطروا يوما لزيارة سياسي لتمرير معاملة، لم يسألوا يوما عن طائفتهم ومذاهبهم وعشائرهم وأفخاذها لكي يجدوا وظيفة لائقة لهم او لأبنائهم، لم يتوسلوا عند اقدام أحد من السياسيين لدخول مدرسة أو جامعة او مستشفى..

أبناؤنا دخلوا كل المحافل والمواقع والمناصب على الصعيدين العام والخاص، السياسي والإداري، والوظائف المهمة وافتتاح الشركات والمعامل والوصول الى أعلى المناصب في المواقع المختلفة.. ولا نذكر أن أيا من هؤلاء يعرف سياسيا أو حزبا او وجيها توسط له لكي يصل الى أرفع وأسمى الدرجات.. الكفاءة ثم الكفاءة ثم الكفاءة!

ندفع الضرائب نعم.. أكثر من غيرنا ربما، لكننا نتلقاها خدمات في مختلف المواقع والمطارح، في الصحة والتعليم وضمان البطالة والشيخوخة والخدمات البلدية والمدينية وغيرها من الخدمات التي تتربع فيها كندا في هذا الشمال حيث تتمتع بأعلى نسبة من الرفاهية في هذا الكوكب!..

أكثر من ذلك، وقد لا أذيع سرا، أن أموالنا القليلة في البنوك لم يسط عليها أحد، وبإمكاننا أن نسحب منها وبكل الطرق يوميا وعلى مدار الساعة، ولا نعرف اسم حاكم البنك المركزي لأنه لا علاقة له بالسياسة!

نشارك في الانتخابات الثلاث، البلدية والمقاطعة والفدرالية، وننتخب من يؤمن مصالحنا.. مصالح كندا في الشمال الكافر، ولا نلتزم بأي فاسد ولو كان من "جماعتنا" ونعاقب كل فاسد في صناديق الاقتراع.. وقد عاقبت بعضهم خلال وجودي في هذا الشمال الكافر.. وهذه فرصة قد لا يتسنى لي ممارستها في بلدي الأم!

كان يداعبنا قديما مصطلح وحديث التعرب بعد الهجرة، أعتقد أننا بحاجة الى مجموعة من العلوم الحديثة لعادة تفكيك هذا المصطلح، ليستوي عنوانك أيها الطيب الصالح ويصبح "موسم الهجرة الى الشمال"، مواسم الهجرة الى شمال كافر على المدى العام والأعوام التي تأتي..

أهلا بأهلنا الفارين من المرفأ عبر المطار.. الشمال الكافر يرحب بكم ويضمن لكم أموالكم في البنوك، وأوراقكم في صناديق الاقتراع.. أهلا وسهلا بكم في الوطن من جديد!