كندا تعترف بمعاناة الفلسطينيين ولكن تصوّت ضدّهم؟!

  • article

حسين حب الله - مونتريال

يحار المرء حين يحاول فهم الموقف الكندي من القضية الفلسطينية والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، وتختلط عنده الأمور. ففي وقت يبدو فيه الكنديون جادّين في مساعدة الفلسطينيين، تراهم يقفون إلى جانب الاحتلال الذي يتسبب بالمعاناة الإنسانية للفلسطينيين. فمرّة تقدم لهم كندا المساعدات المادية والمعنوية والإنسانية، ومرة تقف إلى جانب الاحتلال تحت عناوين الابتعاد عن التسييس، كما فعلت في جلسة منظمة الصحة العالمية، التي انعقدت يوم الخميس في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني حين صوتت ضد اقتراح يبحث في الظروف الصحية للفلسطينيين وتحسينها.

 المتابع لصفحة الفايسبوك التابعة لمكتب الممثلية الكندية لدى السلطة الفلسطينية يلاحظ أنها تضج بالأنشطة التي تقوم بها ممثلة كندا لدى السلطة الفلسطينية، السيدة روبن ويتلوفر ، التي تقوم بلقاءات متواصلة لدعم الفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم.

 فأوائل الاسبوع الماضي، ومن مدينة سَلْفِيت، المدينة الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية، البعيدة 62 كم تقريباً إلى شمال القدس المحتلة، بثت السيدة وِتْلوفر مقطع فيديو من أحد حقول الزيتون في المدينة، متحدثةً فيه عن المساعدة الكندية في موسم قطاف الزيتون والمساعدات الأخرى التي تقدّمها للفلسطينيين، استهلت حديثها باللغة العربية التي تتقنها بالقول:

"أنا هنا في سلفيت أقطف الزيتون مع زملائي من أفراد القوة الكندية". ثم قالت: "لقد أطلعَنا محافظ سلفيت (الدكتور عبد الله كميل) على بعض التحديات الخطيرة التي يواجهها الناس في هذه المنطقة، ليس فقط في أثناء موسم قطف الزيتون، بل على مدار العام، بفعل المستوطنات ومخاطر العنف الذي يمارسه المستوطنون". وعقبت بالقول: "لا تزال كندا تشعر بقلق شديد إزاء هذه القضايا. وكان هذا العام عاماً صعباً، فقد واجه الفلسطينيون تحديات سياسية وأمنية وإنسانية وصحية جديدة غير متوقعة بسبب أزمة "كوفيد"".

إنه اعتراف مباشر بالمعاناة الفلسطينية الناجمة عن ممارسات المستوطنين بتغطية مباشرة من الاحتلال الاسرائيلي، وتأكيد على التحديات التي تواجه الفلسطينيين بسبب وباء "كوفيد".

الموقف الكندي في موسم قطاف الزيتون، ومعه عشرات ملايين الدولارات التي تقدمها كندا للفلسطينيين سنوياً "للمساعدات الإنسانية، ولدعم الأولويات العاجلة التي حُدِّدَت في خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2020 في الضفة الغربية وقطاع غزة"، كما جاء على صفحة الممثلية الكندية، لم يُتَرجم بالروحية نفسها في اجتماع لمنظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي، حين عارضت كندا مذكرة اقترحتها وفود تمثل كلاً من: كوبا، العراق، لبنان، فلسطين، قطر، الجمهورية العربية السورية، تونس، وتركيا، تدعو إلى متابعة الأوضاع الصحية للفلسطينيين وتحسينها.

ففي اجتماع منظمة الصحة العالمية الثالث والسبعين الذي انعقد في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر، الذي رُوجِعَت فيه الأوضاع الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل، طرحَت الدولُ السالفةُ الذكر مذكِّرةً تنص، بعد أخذها علماً بتقرير المدير العام للمنظمة المقدم عام 2019، على مطالبة المدير العام بمجموعة من التوصيات، ملخصها ما يلي:

(1) تقديم تقرير عن التقدم في تنفيذ التوصيات الواردة في التقرير، على أساس الرصد الميداني، إلى جلسة الصحة العالمية الرابعة والسبعين،العام القادم

 (2) تقديم الدعم للخدمات الصحية الفلسطينية

 (3) ضمان الشراء المستدام للقاحات والأدوية المصدقة مسبقاً لمنظمة الصحة العالمية

(4)  مواصلة تعزيز الشراكات مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى والشركاء في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل إلى تعزيز قدرات الاستجابة الصحية الإنسانية من خلال تقديم المساعدة والحماية بشكل شامل وبطريقة مستدامة في خلال وباء "كوفيد" وبعده.

 (5) تقديم المساعدة الفنية المتعلقة بالصحة إلى السكان السوريين في المناطق المحتلة في الجولان السوري.

(6)  الاستمرار في تقديم المساعدة الفنية اللازمة لتلبية الاحتياجات الصحية للشعب الفلسطيني، بمن فيه الأسرى والمعتقلين.

(7)  دعم تطوير النظام الصحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

(8)  التأكيد على تخصيص الموارد البشرية والمالية من أجل تحقيق تلك الأهداف.

الاقتراحات تركّزت على مسائل تتعلق حصراً بالوضع الانساني والصحي. لكن تخلل الاجتماعَ الذي انعقد في جنيف هجومٌ على الكيان الصهيوني بسبب سوء معاملته للفلسطينيين والحصار المفروض على غزة. كما انتقد تقرير منظمة الصحة العالمية إسرائيلَ بسبب "مشاكل الصحة العقلية والنفسية الاجتماعية" بين الفلسطينيين، بفعل "سياسات وممارسات التخطيط التمييزية التي يتّبعها مع الفلسطينيين" الاحتلالُ الاسرائيليُّ في المنطقة "C" من الضفة الغربية المحتلة، الخاضعة للجيش الإسرائيلي.

بعد نقاشات دامت أربع ساعات، عُرِض الاقتراح على التصويت فنال 78 مقابلَ 14 صوتاً، وامتنع 32 عضواً عن التصويت. من بين الدول التي صوّتت ضد القرار ، بالطبع إسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأستراليا والبرازيل وكندا. فيما كان من بين الدول التي أيدته فرنسا، نيوزيلاندا، سويسرا، السعودية، إيران، والهند.

موقف كندا والدول الأخرى بُرِّر بعدم خلط الأمور الصحية والإنسانية بالقضايا السياسية، في وقت تتحمل فيه سلطات الاحتلال جزء كبيراً مما يعانيه الفلسطينيون. لكن المتابعين للامور في كندا يرَون أن الموقف الكندي هو رضوخ لضغوطات الجماعات المؤيدة لإسرائيل في كندا، التي تكون مستعدةً دوماً للتصويب على الحكومة والسياسيين في حال اتخاذ أي قرار يدين الممارسات الاسرائيلية التعسفية ضد الفلسطينيين. وهذا ما يفسّر الصمت المطبق للنواب العرب والمسلمين في المجلس النيابي الكندي حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، وحين يتطلب الموقف إدانةَ الممارسات الاسرائيلية أسوةً بالمواقف التي تُتَّخَذ في قضايا أخرى.

 معاناة الفلسطينيين تحتاج الى من يرفعها، لا من يدير ظهره لها. وشجرة الزيتون التي قالت عنها السيدة روبن ويتلوفر إنها "لا تزال رمزاً للأمل" أحرق الجيش الاسرائيليُّ منها الآلاف من دون أن يوقفه أحد.

والدعم المادي الكندي المشكور، حتى يستديم، ينبغي أن يُدعَّم بوقف الاعتداءات على الفلسطينيين حتى ينتصروا على المعاناة من الاحتلال ومن الوباء على حد سواء.

فهل يبادر الكنديون إلى تصحيح الموقف الأخير بتصويت قادم يكون متوازناً في الأمم المتحدة، تتميز فيه كندا عن دولٍ لا تريدُ أن ترى معاناة الفلسطينيين وتديرُ الأذن الطرشاء لما يقوم به الاحتلال؟