السلام عليكم : تحرُّك الجالية أثمر اهتماماً كندياً غير مسبوق

  • article

حسين حب الله - مونتريال

لم يكن اللبنانيون في كندا بحاجة إلى كارثة من النوع الذي وقع في بيروت في الرابع من شهر آب حتى نكتشف حجم انتمائهم لوطنهم الأم ومحبتهم لأهليهم هناك. فمنذ اللحظة الأولى لوقوع جريمة المرفأ هبَّ الكنديون من أصل لبناني في العديد من المقاطعات الكندية وتداعوا للبحث في سبل دعم بلدهم، ولم يوفّروا وسيلة من أجل مساعدته.

إنطلقت التحركّات والاتصالات مع مواقع القرار في كل المستويات السياسية بدءاً برئيس الوزراء الكندي جوستان ترودو، ووزراءَ في حكومته، ونواب فدراليين، ورؤساء مقاطعات ونوابها، فأثمرت الجهود دعماً كندياً غير مسبوق وتضامناً شكّل علامة فارقة في تاريخ كندا. فبات ما جرى في لبنان حديث الساعة على كل لسان بعد ان احتل الأمر حيزاً واسعاً من اهتمام الإعلام لأوقاتَ غير قليلة.

إنعكس الأمر دعماً مادياً أخذت فيه كندا موقعاً متقدماً بين الدول الخمس الأوائل التي دعمت لبنان. تُرجم كذلك إلى وفودٍ كنديةٍ إلى لبنان، بينها وزير الخارجية وملحق عسكري، ومتابعة حثيثة من طاقم السفارة في بيروت الذي أُصيب في مساكنه قرب المرفأ. نزلوا إلى الأرض مساهَمةً في التخفيف من آلام المفجوعين.

أهمية الدعم الكندي أنه أتى في وقت حساس تمرّ فيه البلاد بأزمة ناجمة عن تداعيات وباء كورونا، أدت إلى فقد الكثير من المواطنين وظائفهم بعد أن اقفلت مؤسسات تجارية كبيرة وصغيرة أبوابها، ما قد يُوجب على الحكومة أن تستخدم هذه الأموال في الداخل الكندي.

هذا الدعم يعبر عن حجم قوة الجالية في كندا وتأثيرها لدى أصحاب القرار. فبداية الدعم الكندي ـ كما عِلْمُنا ـ كانت خمسة ملايين دولار فقط، إلا أنها ارتفعت إلى ثلاثين مليون دولار بعد أن رفع ناشطون في الجالية الصوت لدى المعنيين، وشرحوا لهم حقيقة المأساة التي ضربت لبنان. كما زادت الحكومة الكندية قيمة الأموال التي ستقابل فيها حجم التبرعات ملايينَ متعددة من الدولارات. كل ذلك ما كان ليجري لولا تحرك الجالية وعملها كَيَدٍ واحدة.  

الدعم الكندي لم يقتصر على الحكومة وحزب الأحرار الحاكم، الذي تربطه بالجالية والعديد من رموزها علاقات قوية. بل امتد الى عدد من المقاطعاتِ بادر رؤساءُ فيها إلى مدّ يد العون لِلبنان، كما جرى في أونتاريو وكيبك ونوفا سكوشا وآلبرتا وغيرها. كذلك كان الشعب الكندي أيضاً في قلب الحدث، فتدفقت التبرعات الشعبية لتصل إلى ثمانية ملايين دولار من دون أن تُسجَّل حالات اعتراض تذكر على الحكومة الفدرالية او الحكومات المحلية جرّاء صرفها الأموال خارج كندا.

قد يحلو للبعض أن يشكك في خلفيات الدعم الكندي للبنان وهذا الاهتمام المباشر بالمساعدة. فقد تحدثت بعض التحليلات عن مشروعٍ لِتوطين للفلسطينيين في لبنان تُعِدُّ له كندا بالتعاون مع بعض الدول الغربية، وهو أمر سبق ان أُثيرَ في الإعلام في أعوام سابقة فأثار مخاوفَ جدية. كما حاول البعض ربط المساعدات بغايات انتخابية لكسب أصوات الجالية اللبنانية إلى هذا الحزب او ذاك الحزب سواء فدرالياً او محلياً، وهو أمر تستخدمه عادة الاحزاب لاستثماره في وقته.

لكن المتابع لمجريات الاحداث منذ وقوع الانفجار يدرك جيداً أن الدافع الاساسي للاندفاعة الكندية الحالية هو التحرك الفعّال الذي قامت به الجالية، وقد قابله تجاوب كندي "من دون أي مَساعٍ أو مخططات خاصة خلفه"، كما أكّد السيد محمد فقيه في حديثه إلى "صدى المشرق"، وهو الذي واكب تطور الأمور منذ وقوع الانفجار هناك، وأجرى - ومعه العديد من الناشطين في التحالف اللبناني الكندي - اتصالاتٍ بِكبار المسؤولين الكنديين لحثّهم على دعم لبنان في محنته. فقيه، الذي توجه الى بيروت للإشراف على تسليم مساعدات كندية جُمِعَت لِلبنانَ، شدد على أنْ "لم يحدث أن موظفاً من طرف الوزراء او ترودو أو السفارة في بيروت تطرق إلى ما تريده كندا، أو ما يخدم خطة ما للمجتمع الدولي".

إزاءَ هذا الدعم الكندي "نحن كجالية لبنانية لا يمكننا ان نفيَهم حقهم جراء ما يقومون به"، كما أكد فقيه لجريدتنا.

بشكل مُوازٍ كانت الجالية تتحرك على أكثر من صعيد، فجمعت مؤسساتٌ جاليويةٌ عديدةٌ من أكثر من مدينة المساعداتِ العينيةَ والموادَّ الغذائيةَ والطبيةَ وأُرسلتها في حاويات إلى لبنان، ما أثبتَ ان هذه الجالية فيها الخير الكثير، ويمكن لها ان تتجاوز الانقسامات لتحقيقِ هدف خدمة البلد الأم والوقوف إلى جانبه أيام محنته.

الدعم الكندي ودعم الجالية كان موقع تقدير كبير في لبنان. وقد أشار فقيه إلى أن "تقدير اللبنانيين لكندا وللمغتربين هنا زاد بعد الانفجار".

"أرسلنا رسالة إلى اللبنانيين مفادها: صحيح اننا نعيش خارج لبنان ولكنكم في قلوبنا، وعندما يمسّكم الأذى فَنحن الى جانبكم"، كما قال فقيه.

كلمات تختصر حال كل فردٍ فينا لم يَتخلَّ عن لبنان رغم مرور عشرات السنين من الغربة، ورغم كل الفساد الذي يعشعش فيه. فالأمل يبقى كبيراً بأن يتعافى البلد ويقوم من كبوته ولو بعد حين.

هذه الصورة الإيجابية لم تعكّرها محاولات قام بها البعض في الجالية لتوجيه الأنظار نحو أمور لا علاقة لها بالأسباب الحقيقية لمأساة لبنان الأخيرة وما سبقها، في هذا الوقت الذي يتطلب اجتماعاً وتضامناً ووحدةً للتخفيف من معاناة اللبنانيين، الذين يحتاجون إلى القيام بأفعال حقيقية، لا إلى عنتريات تحاكي سياساتٍ لا تريد الخير للبنان وتتناغم معها.

"كندا مستعدة لمواصلةِ المساعدات وزيادتها"..، على أن نستمر في التحرك والمتابعة. فلبنان يحتاج إلى المساعدة والمؤازرة، وجاليتنا جديرة بهذه المسؤولية - كما أثبتت اليوم وبالأمس، والحكومة الكندية الحالية لن تخيّب آمال مواطنيها - كما خَبِرناها في أكثر من مناسبة.