السلام عليكم : بين الإرهاب و"تفلّت" حرية التعبير: متى نعيش في عالم أكثر أمناً؟

  • article

حسين حب الله ـ مونتريال

مرة جديدة يقوم معتوه بعمل إرهابي فترتفع الأصوات من هنا وهناك لتهاجم الإسلام والمسلمين، على خلفية جريمة بشعة ومدانة.

ما حدث في فرنسا الأسبوع الماضي ينبغي التوقف عنده والنظر إليه من زواياً ثلاث. الأولى العمل الإرهابي الذي قام به شاب "مسلم" حين قطع رأس مدرس على خلفية عرضه رسوماً مسيئة للنبي محمد (ص) أمام طلابه. والثانية ما قام به المدرس صامويل باتي البالغ 47 عاماً من عرض للرسوم في حصة التربية المدنية التي خصصها للحديث عن حرية التعبير. والثالثة رد الفعل على هذه الجريمة.

أهم ما في خبر الجريمة عند الذين يروجون للحقد على الاسلام هو أن اسم من قام بالجريمة هو عبد الله، وأنه من أصل شيشاني، وكان يصرخ بعبارة "الله أكبر" حين تنفيذ الجريمة البشعة، التي أدت الى قطع رأس المدرّس الفرنسي "باتي". مقدمة كافية لكي يحقد الناس على ما يعنيه كل ما سبق بشأن الإسلام.

لكن مهلاً.. مهلاً. هل يجيز الإسلام ما قام به المجرم حين نفّذ جريمته؟

هذا هو أول سؤال قبل أن تحاكموا الدين الإسلامي لِما يفعله بعض الموتورين. فالأزهر الشريف، الذي يعتبر مرجعيّة إسلامية كبيرة، دان "الحادث الإرهابي الذي وقع في العاصمة الفرنسية باريس"، وأكَّد في بيانٍ رفضَه هذه الجريمة النكراء وجميعَ الأعمال الإرهابية. هذا، بشكل مختصر، واحدٌ من ردود الفعل الإسلامية التي صدرت مندّدة بما فُعِل بالأستاذ الفرنسي.

ولكن لو أردنا ان نتحدث عن هذا الفكر الذي يقف خلف تلك الجريمة، وجدنا أن المسلمين - قبل غيرهم - كانوا أول الضحايا لهذا الفكر التكفيري، وأن داعميه هم حلفاء فرنسا نفسها، وأمريكا، كالسعودية وقطر. ومشاهد قطع الرؤوس التي كانت تنشرها داعش في خلال الحربِ في سوريا، المدعومةِ من معظم الغرب وأكثر دول الخليج العربي، أي حلفاء هذا الغرب، كانت تقابَل بالصمت وبالترويج الإعلامي لصب الزيت على نار تشويه صورة الإسلام.

ولا يغيب عنا هنا أن نذكّر دائماً بما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أثناء حملته الانتخابية، أي حين اتهم الرئيسَ باراك أوباما بتأسيس تنظيم داعش. كما اتهم منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون بأنها "شريكة في تأسيس" هذه الجماعة الإرهابية أيضاً.

وفي وقت سابق صرح مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، أن لديه أدلة تؤكد ارتباط المرشحة للرئاسة الأمريكية، هيلاري كلينتون بتنظيم "داعش". وذكر موقع "الدسيس الداخلي" (The Political Insider) أنه وفقا لأسانج، فكلينتون لم تكن على اتصال بالإرهابيين فحسب، بل كانت ترسل أسلحة أمريكية لهم عندما كانت وزيرة للخارجية الأمريكية.

هذا الأمر لا ينبغي أن يمر مرور الكرام حين نقف أمام جرائم التنظيم الارهابي. كما لا ينبغي أن نغفل عن الساحة التي يعمل فيها هذا التنظيم والتوقيت لتنفيذ جرائمه في هذه الساحات. 

أما الضحية فهو استاذ فرنسي أراد أن يثير مع طلابه قضية مهمة وهي حرية التعبير، فاختار رسوماً نشرتها مجلة "شارلي إبدو" تسخر من النبي محمد (ص)، الذي مرت ذكرى وفاته الأليمة الاسبوع الفائت، وفي الأيام القادمة سيحتفل المسلمون بذكرى ولادته المباركة. وسائل إعلام فرنسية قالت إن عدداً من أولياء التلاميذ كانوا قد عبروا عن غضبهم بدايةً من تصرف الأستاذ. لكن لم يكترث أحد، وذهبت المطالبة بمحاسبة الأستاذ الفرنسي أدراج الرياح.

ولنا أن نسأل هنا: هل باتت حرية التعبير محصورة في التطاول على مقدسات الناس؟ وهي في هذه الحالة تطال أكثر من مليار انسان من الذين يعتبرون النبي محمد (ص) شخصيةً مقدسةً، والنيل منها هو عمل استفزازي كبير. هذه الاستهانة بمقدسات الناس ينبغي التطرق إليها والبحث عن آثارها قبل الحديث عن الحرية.

لا أدري كيف ينظر هذا العالم إلى حرية التعبير ومن أي منظور يريد للناس ان تصدّقه، في وقت يسعى فيه هذا العالم إلى منع الناس من انتقاد اسرائيل واستنكار جرائمها عبر فرض تعريفات لمناهضة السامية. فهي خنق لحرية التعبير حين يُتعاطَى مع الأمر من باب ان "أشكال مناهضة السامية قد تتضمن استهداف دولة إسرائيل كونَها كياناً يجمع اليهود"، حتى بات من يريد انتقادها خائفاً ليس من قطع رأسه، بل من أن تُقطع أرزاقه، او يُفصَل من عمله، أو يُشهّرَ به في الاعلام، كما يحدث في كندا وغيرها بين الفينة والأخرى.

المعايير المزدوجة في مقاربة موضوع حرية التعبير ينبغي أن يُوضع حدٌ لها. فلأيٍّ كان الحرية في أن يسخر من شخصية يقدسها مليار انسان! ولكن ليس لأيٍّ كان مثلاً أن ينعت "إسرائيل بالعنصرية أو يقارنها بالنازيين، فذلك غير مسموحٍ به" لأنه يمس باليهود. في وقت نجد فيه أن يهوداً كثراً لا يرون في إسرائيل دولتهم، فضلاً عن أنها لا تمثّلهم. وفي المقابل مسموح أن يكون النيل من النبي محمد (ص) نموذجاً يحق للطلبة في المدارس الفرنسية التمثّل به في وقت يجمع المسلمون على قدسية نبيهم (ص).

نجد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن "الإسلام دين يعيش أزمة اليوم في جميع أنحاء العالم"، وأثار ردود فعلٍ غاضبة، أعلن بعد الجريمة عن خطط لسن قوانين أكثر صرامة للتصدي لما سمّاه "الانعزال الإسلامي". وقال ماكرون إن حادث الجمعة يحمل كل بصمات "الهجوم الإرهابي الإسلامي" وأضاف أن الضحية "قُتل لأنه درّس حرية التعبير لطلابه".

 هو خطاب مشحون بخلفيات انتخابية، في ظل تراجع شعبية يريد أن يسترجعها من خلال استغلال جريمة مروعة في مواجهة خصوم أكثر تطرفاً ويمينية، على حساب دين عظيم لا يقبل بهذه الجرائم المموّلة من حلفاء ماكرون.

أخيرا، في الوقت الذي بات ملحّاً فيه أن تُسمّى الأشياء بأسمائها وتُكشف أوراق هذا الفكر الارهابي ومن وقف خلفه وموّله، ومن فتح الأبواب أمامه في حرب سورية وغيرها، وقبلها في أفغانستان، هناك "ضرورة لتبنّي تشريع عالمي يجرّم الإساءة للأديان ورموزها المقدّسة"، كما قال الأزهر حين علّق على الجريمة النكراء، وأن تُقرَّ معاييرُ واضحة بالنسبة لحرية التعبير. حينها سنعيش في عالم أكثر أمناً وأكثر عدالة.