الحجر!

  • article

طلال طه - مونتريال

قال إني مسافر الأسبوع القادم الى "البلد"، يريد رام الله في فلسطين، قلت لو تأتيني منها بحجر، قال: ما حجمه وشكله ولونه.. إن الحجر تشابه علينا!

قلت: حجر.. أي حجر، قلت كلمتي ومشيت!

 سمع مقالتي وسافر.. كان ذلك منذ أشهر.

في صغري.. لم أتمكن من ضبط علاقتي بالحجارة، ولكن تقدير ذلك على صبي شقي يعيش في الضيعة في بيت يحيط به بستان كبير يسمح لي بالزعم أن علاقتي بالحجارة قديمة وسوية وأليفة ولا تخرج عن مألوف فتيان الحي وصبيان الحارات الأشقياء!

لكن قصة حصلت معنا في شبابنا الأول في نهاية العشرين من اعمارنا ونهاية السبعينات في تاريخ المدينة، حين عاد إمام بلدتنا من النجف الأشرف في العراق بعد موجة الإعدامات والترحيل التي قادها المجرم صدام حسين ضد حوزة النجف ومراجعها وعلمائها.. توجها بإعدام الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (رض)..

هذه القصة أدبت علاقتي بالحجر ونظمت عقد مشاعري به ونسقت ترتيبه في طيات فكري الذي ينطوي على ملايين المعلومات والمفردات.. وفي مقدمها الحجر!

.. كنا قد بدأنا تعديل وترميم وتحسين وتضبيط ملعب كرة القدم الوحيد في بلدتنا والذي هو في الأصل الساحة الحسينية الموقوفة مع المسجد والحسينية اللتان تحوطانه ضمن أوقاف البلدة التي يديرها إمامنا الجليل من خلال إشرافه وعنايته وتوجيهاته.. كان ذلك أواخر السبعينات. كان نشاطنا ضمن فريق كرة القدم في النبطية هو النشاط الاجتماعي الجماعي الوحيد في البلدة، بعد أن حل فيها الخراب من الداخل بفعل قوى أمر واقع كان ينقصها الانضباط والانتماء لروح المدينة، وحصار من الخارج كانت تواجهنا به مدافع جيش سعد حداد قبل ان يتحول الى جيش العميل لحد!

كانت ساحة عاشوراء، أو البيدر، أو ساحة الوقف، أو سوق الدواب يوم الاثنين، أو ملعب النادي الأهلي تجاوزا على الواقع الحقيقي أنها أرض وقف!

وكنا شباب وبعض صبية نفتعل هذا النشاط نحاول تدوير أيامنا خلف كرة فقيرة نسعى خلفها وهي تراودنا فوق أرض غير سوية تميل الى انحدار تميز به ملعب النبطية!

وكان مجموعة من الأساتذة، من معلمي المدارس الابتدائية العاطلين عن الدوام والعمل، يصطفون عصرا على حافة الملعب يراقبون ويتحمسون ويكسرون الملل الذي غطى حياة الناس في تلك الفترة من تاريخ هذه المدينة ومحيطها في بداية الثمانينات.. استعدادا للاجتياح الذي كنا نشعر برياحه الحارة تلفح وجوهنا!

ثم حصل اتفاق غير معلن، وتواطؤ جميل بين اللاعبين والجمهور وبعض الناشطين والمتحمسين والمهاجرين الى افريقيا الذي في زياراتهم الصيفية الى الوطن كانوا يحنون الى ملعب وساحة تليق بالمدينة وواقفها والموقوف لأجله.. ساحة الحسين (ع)!

سماحة الإمام – الذي عاد مرغما من العراق - وافق على مشروع التعديل والتنظيم واشترط عدم إخراج أي حبة تراب أو أحجار أو أي شيء يصدق عليه الوقف الشرعي من الساحة..

ونحن بدورنا – متعلمين على سبيل نجاة - بالغنا في تنظيف أحذيتنا حين الخروج من الملعب بنفض التراب عنها حتى لا نتهم بالاستهتار بتراب الوقف وأحجاره وأحكامه الفقهية!

عمليات الجرف والحدل والمسح والتعديل والتبديل استمرت لأشهر، وتجمعت لدينا كميات كبيرة من الأحجار، منها ما استعمل في عملية إعادة البناء ومنها ما نذر ليوم آخر، كان الحجر عنوانه!

ثم أتقنا لعبة تجميع الأحجار التي بدأت تخرج تباعا من تحت تربة بالغنا في تسطيحها، ثم راودتنا فكرة خبيثة – علني كنت صاحبها - بأن اشترطنا على الفريق الخاسر بعد كل تمرين أن يبقى في الملعب لربع ساعة إضافية يجمع ما تيسر له من صغير الحجر.. بعد أن كنا قد استعملنا كبيره والمتوسط منه في دك مدرجات الملعب التي استحدثت في صدارة هذا المشروع..

وهكذا على مدى أكثر من ثلاث سنوات تجمعت لدينا كميات كبيرة من الأحجار، لا وظيفة لها غير الاستجابة لفتوى سماحة الشيخ عبد الحسين صادق حفظه الله بحرمة إخراجها من أرض البيدر والساحة، فحفظناها في الزاوية المقابلة لتقاطع المقبرة مع مدرسة الزهراء القديمة.. ليوم من أيام الله!

للحجر في تراثنا والتراث البشري عامة موقعا ودورا وأهمية بالغة، فقد كان النار الذي عرفها الإنسان القديم، وكان السلاح والوعاء، ثم أصبح المسكن والدار والقصر والقلاع.. ثم " قلنا اضرب بعصاك الحجر فافجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم".
"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"..

إذن، من الحجارة قلوب قاسية ولكن منها ما يتفجر منه الأنهار ويخرج منها الماء، ومنها ما يهبط خشية.. ومنها الحجر الذي بين يدي!

قال النبي محمد (ص): الحجر الأسود من حجارة الجنة، أما سواد لونه، فيرجع إلى الذنوب التي ارتُكبت وفقا للروايات، حيث روى ابن عباس عن النبي محمد (ص) أنه قال: نزل الحجر الأسود من الجنة أبيض من الثلج فسودته خطايا بني آدم وهو سواد في ظاهر الحجر، أما بقية جرمه فهو على ما هو عليه من البياض، وعن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر يقبل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك..

يقول السيد المسيح (ع): من منكم بلا خطيئة.. فليرمها بحجر!

فأمسك الناس بحجارتهم ولو رماها أحدهم لكذب!

ومن الناس من يصيب عصفورين بحجر واحد، ومنهم من يهوى جمع الأحجار الكريمة، ومنهم من يضع الحجر الأساس لمشروع الجديد، ومنهم من يولد وفي يده حجر، ويذهب الى المدرسة بعد حصة من الأحجار بوجه العدو، ومنهم من يسقط مضرجا بأحلامه ويقبض يده على حجر، ومنهم من يقسم بالشمس والقمر والحجر.. ومنهم "ثورة الحجارة"!

يقول شاعر فلسطين محمود درويش: أرفع الطيون عن حجر..

ويقول أيضا: سلاما أيها الحجر الصغير!

ويقول أيضا: منكم دبابة أخرى – ومنا حجر!

ثم عاد أيمن من فلسطين، بعد التحية ألقى في يدي حجرا أملسا، دسسته في جيبي ثم تحسسته بيدي، كان بحجم بيضة، لم يكن سويا لكنه كان أنيقا كحجر، ذو رائحة حلوة، يميل الى الأبيض، لم يسود بعد من ذنوب العرب.. كان توا قد جيء به من البلد!

هو حجر من فلسطين، تربى في حضن زيتونة قديمة، تشرب زيتها وتمتع بفيئها واغتسل بدموع مطرها.. ثم وقع بيدي، اخترت له صدارة الصالون في بيتي، وفي ذهني له مشاريع كثيرة!

لفترة طويلة كنت قد انشغلت بالعلاقات مع الناس، واليوم أعيد ترتيب مشاعري واعدها للعلاقة مع الأشياء.. ومنها هذا الحجر!

فلسنوات طويلة كانت فلسطين قضيتي، أما الآن فقضيتي فلسطين.. وهذا الحجر!

من أين نبتت هذه الكميات من الأحجار، من أين تساقطت في أيدي "الضريبة"، كيف تجمعت وتهيأت وشاركت في مسيرة الحسين (ع)؟ لا أحد يعرف!  حتى أولئك الذين استعملوها وكانت سجيلا بأيديهم يضربون بها أبرهة العصر!

كان ذلك يوم العاشر من محرم للعام الميلادي 1983، حين حاولت دورية اسرائيلية اختراق مواكب عاشوراء بالقوة، وكانت لا تزال إسرائيل تحتل النبطية قبل الانسحاب منها عام 1985.

وكانت المرة الاولى التي يكتشف فيها الصهاينة أن خصما جديدا وعنيدا، قد استجاب لترددات الثورة الإسلامية المباركة في إيران التي قال فيها مناحيم بيغن، رئيس الوزراء في حينها: هذه الثورة زلزال سوف تصلنا قريبا تردداته.. وهكذا بدت حجارة الساحة الحسينية كأنها "وقفت" لهذا اليوم بفتوى سماحة الشيخ حفظه الله.. كانت حجارة ساحة الحسين (ع) منذورة ليوم العاشر!

هذه مساهمة على هامش نقاش قديم ومستجد حول هوية بعض احجار المدينة وشهدائها.. الذين بدمائهم توحدت نسائم نصر لما ينضج بعد!