السلام عليكم : "التطبيع" في كندا متى يُعلن عنه؟!

  • article

حسين حب الله ـ مونتريال

التطبيع الذي أُعلِن عنه، بين الامارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين من جهة والكيان الصهيوني من جهة ثانية، لم يكن أبدا مفاجئاً للذين يعرفون تاريخ العلاقات في المنطقة، بين العديد من الدول والشخصيات ودولة الاحتلال منذ اغتصاب فلسطين حتى الساعة. وفي كندا يجري تطبيعٌ خفيٌّ يُنتَظَر الاعلان عنه يوماً ما.

كانت العلاقات بين بعض الحكام العرب والاسرائيليين تجري بعيداً عن الأنظار كي لا ينفضح الحكام أمام شعوبهم، التي كانت ترفض أي اعترافٍ بالكيان الاسرائيلي. ريثما تُهيَّأُ الظروف المؤاتية لمثل خطوة التطبيع العلني والخيانة المكشوفة. هذه التهيئة كانت تتطلب فتناً داخليةً واختلاقَ نماذج مثل داعش وأخواتها، تنشر الخراب والدمار في البلاد وترتكب المجازر البشعة بحق العباد، بحيث يُمكن لضعاف النفوس والمشبوهين والعملاء وأصحاب المنافع النفاذُ من هذه النقطة للتدليل على أن هذا الكيان هو الأقرب إليهم، متناسين عشرات المجازر التي ارتُكبت منذ ما قبل عام 1948 على يد عصابات الهاغانا وغيرها، وصولاً إلى مجازر صبرا وشاتيلا وقانا وحرب تموز، وغيرها من الجرائم ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني.

كان الأمر يتطلب كذلك تدريب علماء دين يعطون الشرعية لتلك الخطوة البائسة، فنراهم اليوم ينظرّون لهذا التطبيع بعدما انقلبوا على مواقف سابقة لا يحتاج المرء الى الكثير من العناء لاكتشافها، متناسين معاناة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال.

عاملٌ آخرُ يجمع بين الكيان الصهيوني والدول العربية هو العداء لايران، بعدما عملوا لسنوات ومعهم الاحتلال على تسعير الفتن المذهبية، وتسليط الضوء على الخلافات المذهبية والعمل على تعميقها من خلال قنوات الفتنة وعلماء السوء عند الطرفين وجهل الكثيرين. تُضاف إليها أموال ـ لا تحرقها النيران ـ كانت تُغدَق لتحقيق تلك الأهداف في الكثير من دول العالم. ووصل الأمر إلى أن يحاضر المتحدث بِاسم الجيش الاسرائيلي "الشيخ" أفيخاي أدرعي حول التهديد الشيعي حين كان يشيد بمواقف داعش وابن تيمية في تكفير الشيعة، ويدعو السُنّة ـ وأهل السنّة من أي علاقةٍ بكيانه براء ـ  إلى محاربة ما أسماه "التهديد الشيعي والإيراني" المزعومَين، ليس حباً بابن تيمية ولا بأهل السنّة الكرام ولكن تسعيراً للفتنة واستمالة لمؤيديه.

الإعداد لإعلان الخطوة الأخيرة بدأ التحضير له منذ زمن ليس بالقريب. ومرَّ بمراحلَ كثيرة ومطبّات وعوائقَ عديدة حتى بات جاهزاً لتتقبّله الشعوب العربية. وهو سيتوسّع يوماً بعد يوم، بعدما بات الكيان الصهيوني يشعر بالخطر الكبير على وجوده. لذا من المتوقع ان تلتحق دولّ كثيرة بهذا الركب بعدما سقطت ورقة التوت وبانت سَوْءات كثيرة.

لن يقتصر الأمر على الدول العربية، بل المطلوب ان يشمل الأمر جميع العرب والمسلمين في العالم، ومنهم الجالية في كندا. فبعضُ المعلومات كان يتحدث عن علاقات تجري في الخفاء بين السفارة الاسرائيلية في كندا وبعض الشخصيات العربية من كندا وخارجها في فترات سابقة. تمثلت في زيارات قام بها هؤلاء إلى السفارة الاسرائيلية في أوتاوا، أو القنصلية الاسرائيلية في مونتريال، أو إلى بعض المؤسسات المعروفة بارتباطاتها الاسرائيلية، كما نُقل عن بعض المطلعين، ذات يوم. فضلا عن تنسيقٍ كان يجري بعيداً عن الأنظار بين بعض الجهات التي تتولى الدفاع عن إسرائيل في كندا وشخصيات عربية واسلامية ومنها مَن تحتل مواقعَ سياسية او اقتصادية متقدمة. كما كان يجري الحديث في بعض الأروقة عن مسعَى إحدى الجمعيات الجاليوية المعروفة لترتيب علاقات مع بعض المتنفذين المؤيدين لإسرائيل لتسهيل أمورها التجارية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي محاولة إقامة اتصال بين بعض الشخصيات هنا وهناك.

كانت العراقيل تُوضع في وجه الذينَ لا يحملون ودّاً لإسرائيل، سواء حين ترشحهم للانتخابات النيابية، كما حدث مع الكثير من المرشحين على لوائح أكثر من حزب كندي، او من خلال التضييق على الشخصيات الإعلامية التي تتخذ مواقف معارضة لما تقوم به إسرائيل بحق الفلسطينيين. والحجّة دائماً هي دعم الإرهاب، التي تُتَّخذ في العادة شمّاعة لإسكات معارضي الاحتلال الاسرائيلي.

وكان التضييق يطال أيضاً بعض الجمعيات التي تتخذ المواقفَ ضد إسرائيل، فيُصوَّب على أي شخصية نيابية او بلدية تحضر أنشطة تلك الجمعيات، ولا تنتهي القصة إلا باعتذار من تلك الشخصيات على ما "اقترفته".

هذه الضغوطات التي تتعرض لها بعض الشخصيات في الجالية كانت تُستَكمل ـ في بعض الأوقات ـ بحملة اجتذابٍ واستمالةٍ نجا منها البعض ووقع فيها آخرون، ما أدى بهؤلاء إلى تقديم بعض التنازلات وصولاً إلى القيام بزيارة فلسطين المحتلة تعبيراً عن "انفتاحهم" وتأكيداً منهم لابتعادهم عن "الارهابيين".

كما في الخليج العربي، يُراد هنا أن تسير الجالية نحو التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ سراً، وانتقل الى العلن شيئا فشيئاً ليُعلََن التطبيع بشكل صريح ومن دون مواربة. 

وكما لم يكن مفاجئاً التطبيعُ العلنيُّ هناك، لن يكون هنا كذلك أبداً، حين يحصل. وحينها المطلوب ان يكون هناك موقف صريح قد يكون صعباً في ظل تشدّدِ القوانين التي تطال منتقدي اسرائيل وإلصاقِ تهمة العداء للسامية بهم، وهي محاولة لِكَمِّ الأفواه وخنق حرية التعبير وقتْلِ التعددية التي تتغنى بها كندا.