الانتخابات الامريكية.. وبقرات الحاج رضا!

  • article

 طلال طه - مونتريال

كنت قد نذرت الأسبوع الأول من الشهر الحالي، تشرين الثاني او نوفمبر على قول، كنت قد نذرته لمتابعة أخبار الانتخابات الأمريكية في الثالث منه، بشكل انتقائي تابعتها منذ حوالي الشهرين، ثم بشكل مكثف قبل أسبوعين، ومع بداية الشهر كنت أتنقل في باصات الحملات الانتخابية بين الولايات والمدن.. وتولد لدي شعور شك لذيذ بأن "الديموقراطية" التي تبث عبر الفضائيات في أرجاء المعمورة هي ليست ذاتها التي تضغط فيها أمريكا على شعوبنا وحكوماتنا لممارستها.. كما سيأتي لاحقا!

هذه المتابعة – عدا عن أنها هواية محمودة في زمن الحجر الكوروني – إلا أنها تشكل مادة ثرية للتعرف على الشعب الأمريكي من خلال ممارسته هذه اللعبة الرياضية المسلية.. للكبار فقط!

أتنقل بين الـ CNN والـ Fox news وبعض المحطات الأخرى تاركا للصلاة والطعام بعض الأوقات المستقطعة من هذا البرنامج الشيق، أستدرج الى قاموس الترجمة لألاحق بعض الكلمات والمصطلحات، كل ذلك كان يسير بشكل جيد، ومسل، ومشوق، وممتع.. وديموقراطي بيني وبين العائلة التي تريد بعض الأوقات لبرامجها الخاصة!

فجأة..

ومن خارج السياق، تصدرت بقرات الحاج رضا وسائط التواصل الاجتماعي، وبدا أن التوقيت لا يتناسب أبدا لفتح ملفين كبيرين بهذا المستوى، فضلا عن أن تمتد القضيتان الى القضاء: في الملف الأول وهو موضوع الانتخابات الامريكية التي شكك ترامب بصدقيتها وشفافيتها، او في الملف الثاني وهو موضوع هنغار الأعلاف الخاص ببقرات السيد رضا فرحات، الذي تحول الى قضية رأي عام بعد أن وصل الى القضاء الذي استيقظ فجأة ليجد سقفا معدنيا مخالفا في خراج بلدة عربصاليم في الجنوب من الوطن الى الشمال من مليتا!

القضية لم تبدأ عند القضاء، بل بدأت مع شعور السيد رضا بأن الأبقار تحتاج الى أعلاف لا يستقر سعرها، وقد تنفذ من الأسواق، لذلك وخدمة لمشروعه الذي يتصدره البقر، وهم عنوانه وفي أساسه، فلا بد من تخزين بعض العلف لفصل الشتاء.. للأبقار طبعا، وليس للقضاء!

الابقار تحتاج الى علف، والعلف يحتاج الى سقف لتخزينه في فصل الشتاء، والسيد رضا فرحات الذي عاد الى الوطن في "الاتجاه المعاكس" لحركة الناس، خصوصا في السنوات الأخيرة، لم يأت وحيدا، مفردا، محتاجا، درويشا يريد أن يلجأ الى نبع الطاسة طمعا بماء وهواء..

بل جاء بشهادته واختصاصه وأمواله وإرادته ومبادرته وعزيمته واخلاصه.. وهذه ملكات قل ما اجتمعت في فرد أو جماعة!

عاد رضا الى الوطن، او قل استجاب لدعوة العودة الى الأرض، بما هي عنوان عز وقيمة، وبما هي مشروع نهضة وتنمية، وبما هي ضرورة وحاجة وواجب شرعي ووطني وأخلاقي واجتماعي ومعيشي في زمن الحصار والقيود والإشهار على لوائح الإرهاب!

عاد رضا الى الناس الذين خرج منهم، وعاد الى الأرض التي ترعرع في جنباتها، والتي زين جبالها ووديانها وشجرها وحجرها صلوات الشهداء وأدعيتهم وأوجاعهم ودماءهم.. عاد الى تلك الأرض التي تحررت من الغاصب بفعل الدم لينصب خيمة لبقراته.. فإذا هي ترضخ تحت حكم الفاسد والمرتشي والمرتزق والمريض والجبان والضعيف واللص والسارق.. والقاضي ورجل الأمن ومن خلفهم رجل السياسة الذي يخاف من.. بقرات السيد رضا!

هذه البقرات ستفضحه، تفضح كسله وعاره وفساده وانانيته وحقده ومرضه وشخصانيته، بقرات السيد رضا أصبحت عنوانا لمرحلة لا يطيق فيها السياسي التعامل مع البقر، فضلا عن البشر، فوجئ السياسي بأن الناس التي تحول بعضها الى غنم وبقر قد تفتعل لنفسها دورا في واقع هذه البيئة ومستقبلها، فلتشن الحرب على البقر إذن: قاض فاسد ورجل أمن مأمور، وموظف يريد أن يعيش، وآخر يريد أن يحمي سلطة الزعيم وهكذا تجمهرت "الدولة والنظام والقانون" في محيط عربصاليم في مواجهة أبقار السيد رضا!

لم يكن السيد رضا يبني قصرا لزعامته، ولا صالونا لوجاهته، ولا مؤسسة – واجهة لسرقاته وفساده، بل كان يرفع سقفا لعلف أبقاره.. وهذا شعور طبيعي وإنساني ومصلحي وينم عن حسن إدارة وتنظيم ودراية وخبرة ورؤيا.. ما لم يعجب البعض في دوائرنا ومؤسساتنا الرسمية الفاسدة والمعطوبة بناسها وقوانينها وأنظمتها!

في الوقت الذي كانت قضية أبقار السيد رضا فرحات تتناول في الأروقة والأندية والصالونات العامة والخاصة، كانت عمليات الفرز في صناديق الاقتراع في الانتخابات الأمريكية تسير على قدم وساق، ولا يبدو أن قضية تافهة، وملف تافه، كملف الأعلاف والابقار سيؤثر على مسار الانتخابات!

الذي حصل بعد اليوم الأول من الفرز، أن خرج الرئيس ترامب ليؤسس لانتصاره وفوزه في الانتخابات ولما تستكمل عمليات الفرز في كل الولايات وكل الصناديق وخصوصا للذين أدلوا بأصواتهم عبر البريد نتيجة جائحة كورونا، فالذي حصل أن هناك رئيسا فاسدا خرج على الناس ليعلن فوزه في إشارة واضحة لعدم فهمه للعملية الانتخابية وقصوره عن قراءة قوانين الانتخاب واستيعابه الساذج لدستور الولايات المتحدة الأمريكية!

ترى هل أن القاضي الذي أصدر أمرا بهدم خيمة أعلاف أبقار السيد رضا هو المستشار الخاص للرئيس ترامب، أم أن قاضيا يشبهه، يتكلم الإنكليزية بطلاقة، من أصول إيرلندية، أبيض وثري وقذر مثل لاري فلينت، هو الذي أوحى للرئيس بهدم هيكل الديموقراطية فوق رأس الجميع!

وقد يسأل سائل، ما علاقة الانتخابات الأمريكية ببقرات السيد رضا وأعلافها، وهو سؤال ممكن ومشروع وذكي وفطن وملحّ وضروري، لأن المفارقة الغريبة التي تجمع بين هذين الملفين قد تبدو عصية على المراقب العادي، ولعل الخروج من الصندوق هو التعبير الاشمل الذي يمكن إصداره على حكم الربط بين هذين الملفين.

فبالقدر الذي تبدو فيه الانتخابات الامريكية مستغرقة في المحلية والداخل الأمريكي وميلان ورجحان كفة المرشح الديموقراطي بايدن كانت في التصويت والتصويب على شؤون داخلية بحتة، بالقدر ذاته فإن هناك ملفات كبيرة تتعلق بالسياسة الخارجية للحزب الفائز والرئيس الجديد تنعكس فيها القرارات المتخذة على حياة مئات الملايين من البشر ومستقبلهم ومستقبل هذا الكوكب بكامله.. ونحن منهم في هذه البقعة المقدسة من الجنوب.. حيث تسرح بقرات رضا فرحات!

فالملفات الخارجية في السياسة الامريكية تأتي في أولها ومقدمتها وعلى رأسها الالتزام الحديدي بأمن إسرائيل وتفوقها ورؤية قضايا الشرق الأوسط بعيون إسرائيلية، بكلام آخر فإن إسرائيل سوف تحتل مقعد وزارة الخارجية في الحكومة الأمريكية، ويتفرع عن هذه الأولوية الملف الإيراني وفي مقدمه الاتفاق النووي ثم العلاقة مع حزب المقاومة وحلفها في لبنان والمنطقة، ثم يتفرع عن هذا الملف الكبير ملفات أصغر وربما أقل أهمية مثل سوريا والعراق واليمن وفلسطين وغيرها!

طبعا هناك ملف العلاقة مع الصين وروسيا، هناك ملف المناخ، هناك ملف حلف الناتو في أوروبا وسياقاته المستقبلية، هناك النفط والغاز وطريق الحرير وغيرها من الملفات الكبيرة التي تلف الكوكب من أقصاه الى أقصاه وصولا الى السماء والفضاء الخارجي!

نحن، في عرصاليم، تحت هذه الخيمة جزء من ملف أمريكي لمحاربة المقاومة عبر مجموعة من التافهين من الذين يقفون ضد المشروع النووي الخاص بأعلاف بقرات الحاج رضا!

الذي يعتقد أننا دولة فاشلة وفاسدة ومحطمة ومعطوبة بسبب السياسات الامريكية وينتظر الانتخابات الأمريكية لتلد له رئيس ديموقراطي أقل صخبا وصراخا وعتوا وحقدا من الرئيس الجمهوري واهم، وساذج، وبسيط، ومغفل، لأن الجمهوريين الذين يفرضون العقوبات على ناسنا في لبنان والمنطقة موجودون في السلطة والأمن والقضاء والبلديات ويفرضون علينا عقوبات.. ويفرضونها على بقرات رضا فرحات أيضا!

ما الفرق بين العدو الحاقد والمريض والمعتوه وبين هؤلاء التافهين المرضى الفاسدين الذين أهملوا كل ما في جمهورية الفساد من الأملاك البحرية الى الكهرباء الى تفجير المرفأ والدين العام وسرقة أموال الناس في البنوك وغيرها من جبال وأطنان الملفات التي.. لم يدخل بسببها أحدا السجن أو النظارة.. بل هم مدعوون دائما على شرب فنجان قهوة عند بعض القضاة، مثال هذا القاضي الذي "حط راسه براس بقرات السيد رضا"..

لمتابعة هذا الموضوع، بقرات السيد رضا فرحات، او غيره من مواضيع، يرجى متابعة اخبار الانتخابات الامريكية.. لأن البقر تشابه علينا!