"الحيص بيص" والكورونا ودابة الارض  

  • article

 د. علي ضاهر - مونتريال

"الحيص بيص" لقب للشاعر العربي أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي، أطلق عليه لأنه، لما رأى الناس في حيرة وفوضى وإرتباك، قال: "ما للناس في حيص بيص"، فلقبوه بِاسمِ "الحيص بيص". ومذ ذاك أصبح هذا اللقب يدل على تخبط المرء وتَشَتُّت أفكاره وحيرته عند تعرضه لأمر غير مألوف، فيقال: "فلان وقع في حيص بيص"، بمعنى انه وقع في عالم ضبابي أيامه حيرة ولياليه خوف. والمرء عادة لا يعرف أنه وقع في "الحيص بيص"، لكنه يشعر بالحيرة وتختلط عليه الأمور فلا يعود يفرق بين الأمور والاشياء، على سبيل المثال عدم التفريق بين الحقّ والباطل او الخير والشر فتصبح الرشوة عادة، والنصب "شطارة"، وزرع الفِتن مفخرة، وتقليل أهل العلم مكرمة، وتمجيد أبي جَهل عظمة، وتفشّي المُنكرات سعادة.

 الكورونا كبّد البشر خسائرَ في الأرواح والنفوس. خسائر الأرواح، كجراحات السنان، لها إلتئامٌ كونَها تنتهي بعد فترة بالشفاء او بالموت. لكن المشكلة تكمن في خسائر النفوس التي تترك ندوباً عميقة وطويلة تتمظهر على شكل أمراض نفسية تربك المرء وتوقعه في التخبط والضياع، فيصبح البعد عن الصديق من النعم وعدم تعزية القريب من الواجبات، والتخفيف عن المريض من المنكرات، والخلط بين العمل والعطالة من العادات، مما يعني أن الكورونا يوقع المرء في "الحيص بيص".

وجاءت ظاهرة تواجد عدد من الرؤوساء الجهلة والسفلة في العالم وتواجد شخص مثل ترامب على رأس أقوى دولة لتعزز من ضياع الناس ووقوعهم في "الحيص بيص". فمن المعروف أن الناس ينتظرون من أقوى رئيس دولة أن يكون صالحاً وعادلاً ومتعقلاً، فإذا بهم أمَامَ شخص ماجن، متهور، مشهور بطرقه الملتوية في جمع المال وعلاقته المشينة بالنساء وكرهه للعلماء وتقربه من الجهَلة والسفَلة. لذا فمن الطبيعي أن يغذي هذا الأمر حيرة الناس وضياعهم، ويدفعهم للوقوع في "الحيص بيص"! فإن أضفت إلى ذلك حبّ ترامب للفتن وميله "لِلعنفصة" وعشقه للصراخ، وتلذذه في رفس المعاهدات وشغفه في لبط القيم، وإنشداده لترك المعروف وجنوحه نحو المنكر، عندها يَتَرَاءى للناس أنهم لم يقعوا في "الحيص بيص" فقط، بل اصبحوا في وقت الفساد الأعظم، الذي من مظاهره خروج دابة من الأرض تحتل أقوى مركز في العالم فتفسده وتخربه وتتحكم بالعديد من حكامه وهي حالياً تقوم برفسهم ولبطهم والنهيق بوجوههم! لكن الطامة الكبرى ليست في خروج الدابة وتكلمها مع البعض، بل في وجود ملوك ورؤوساء وأمراء يتواصلون معها ويفهمون عليها وينفذون أوامرها! إنها والله أبهى علامات وجود الدابة ووقوع الناس في "الحيص بيص"!