الحياد والسيادة وتضيّع الشنكاش

  • article

د. علي ضاهر ـ مونتريال

في سياق ما يجري في لبنان من أحداث ومصائب مصحوبة بطلبات علنية تحثّ الخارج على التدخل، يبدو ان "الحياد" الذي يسوّق له البعض بات ملحّا. لكن نظرة بسيطة فاحصة تظهر ان هذا "الحياد" المطروح يُراد منه عكس ما يعنيه ويُرجى منه خلاف ما يوحيه، ما ينبئ بموته قريبا. اما الضجة حوله فستخفت وتختفي كما اختفى ضجيج اثير حول مفاهيم مشابهة حرى الترويج لتطبيقها في منطقة شديدة التعقيد تعيش على صفيح ساخن، من المستحيل فيها بيع هكذا مفاهيم ولو بفضّية واحدة او حتى بتنكة نفط أو قطران. فأكثر من روّج لمفهوم الحياد ولمفاهيم مماثلة في الماضي كان على ارتباط وثيق بالخارج. ومن انحدر من نسله البيولوجي او الفكري ما زال محافظا على الامانة وعلى تلك الرابطة الرحمية الحميمة التي كانت تمده بالقوة وإن انزاحت من الفرنسي الى اليانكي واتباعه في المشرق، لذلك فهو لا ينفك يفتش في دفاتر جده العتيقة عن مفاهيم مثل الحياد ويتفلسف حولها ويروّج لها كمفهوم "قوة لبنان في ضعفه" او "هالكَم أرزة الشاغلين الكَون" او "سويسرا الشرق" او "اعطونا الحياد وخذوا ما يدهش العالم" او "النأي بالنفس" والتي ما هي الا مفاهيم تمّ نحتها وتركيبها من قبل بعض المشتاقين الى حليب الام الحنون - وإن تغيرت مسميات تلك الام - سعيا وراء هدف يرمي الى تغريب لبنان عن محيطه وإبعاده عن تاريخه وسلخه، ان استطاعوا، عن جغرافيته، سيما وان الترويج لهذه المفاهيم، كان في الماضي وما زال حاليا، يرمي لإدخالها في النفوس ودفع الناس لتقبّلها والعمل على إيهامهم انهم يعيشون في "سويسرا الشرق" ولو فكريا وان بلدهم لا صلة له بالمنطقة التي يقع فيها ولا يشبهون من يعيش فيها لأن اللبنانيين عبارة عن "شعب مالئ الدنيا وشاغل الناس" يرفل حالما في "قطعة سما تاني ما إلها".

من يروّج للحياد، نسي او تناسى عمدا، انه "حلم ليلة صيف" لا يمكن تحقيقه في منطقة ساخنة لا مكان فيها لمن يدغدغ مخيلته هذا الطَرْح الطرْح، الذي تطلقه بين وقت واخر زمر تتمتّع بتاريخ يعجّ بإرتباطات وثيقة بالخارج ومرتمية ثقافيا وماليا وفكريا في أحضانه، زمر ترفع- قولا- بيادق السيادة والحياد لتشنّف بها الآذان لكنها – فعلا - تمرغها بالوحل، وتتجلبب بالحياد والسيادة لستر إرتباطات مشبوهة ظنا منها انها قادرة على "تضييع الشنكاش" وحرف النظر من قضية العمالة الى قضية الحياد.