الشياطين وثورة 17 تشرين

  • article

 يوسف زكريا

قال الرب لروحه الأمين: كرِّسْ لبنان معبداً للحق والجمال والخير، وليسكن فيه المؤمنون بالرسالات السماوية والمناصرون لقيم كل إنسان، ذكوراً كانوا أم إناثاً، ولْيخلد إليه كل عاشق للحسن والبهاء، وأَبعِد عنه رواد الخنا وطلاب القبح، واترك لأبنائه حرية القرار لاختيار النظام الذي يحافظون به على القيم التي أوصيتك بها... وأتم الروح الأمين ما أمره به الرب وعاد إلى الفردوس.

 ورأى الشعراء والأدباء والقادة السياسيين الصالحين، الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات ورفضوا أن يتبعهم الغاوون، أن لبنان قد صار نعمة وغرة ضوء لجميع الأمم. فما طلبت منه هذه الأمم هداية إلا وجدته في ربوعه، وكأنه بالنسبة إليها مجسّم ملكوت الله على الأرض.

لكنّ الشياطين المختبئين في عتمة دهاليز الشرق والغرب كانوا يشوهون صورة الوطن الجميل لبنان من حين إلى آخر. في سنة 1975 أشعلوا في جميع أرجائه حرباً أهلية، وفي سنة 1989 وضعوا مصيره بين يدي اللات في الطائف، وفي سنة 1919 اتفقوا مع زمرة من اللبنانيين لا يميزون بين الدرّة والبعرة، ونصبوا بمؤازرتهم الشباك للإيقاع به.

 قالوا: لنستأجر هذه الزمرة من الحمقى والمشاغبين، ولنضم إليها عصبة من الخونة والعملاء والأغراب، ومجموعة من أوباش وأوغاد بقايا العصابات المسلحة الذين أحرقوا الأخضر واليابس في لبنان أثناء الحرب الأهلية.

 ولقد أراد هؤلاء الشياطين أن" يكملوا النقل بالزعرور"، فأكتروا بعض القنوات التلفزيونية لتبث إعلاماً رخيصاً يتكتم عن إظهار الحقائق، وينقل إلى المشاهدين كل ما يسيء إلى سمعة وطنهم وفخامة رئيسه.

 ونجح الشياطين في حراكهم، وأطلقوا عليه إسم ثورة 17 تشرين... وتسلطوا على الشوارع والطرقات في جميع أرجاء لبنان، وحددوا أنيابهم لابتلاعه، وبطروا، وسكروا في مظاهراتهم بمساعدة فرقاء من اللبنانيين باعوا ضمائرهم، وإعلام "لا يساوي فرنكين" على حد قول سعادة النائب جميل السيد، وكانت غايتهم القصوى إزاحة فخامة الجبل الشامخ من مكانه.

لكن ما الذي حصل بعد ثورة 17 تشرين من سنة 2019؟! القوت غلا ثمنه، والكسب تعذر، وغلب الفقر على معظم الشعب اللبناني، وما عاد لبنان يقع إلا على وجوه مكفهرة وجباه مقطبة، حتى المصارف المنتفخة الخزائن باتت تشكو من الإملاق والحرمان وأجازت لها حق التصرف بودائع اللبنانيين وجني أعمارهم، وناهبو الدولة والشعب وجدوا الفرصة سانحة، فوضعوا ما نهبوه من مليارات الدولارات خارج لبنان لأنهم من طينة هؤلاء الشياطين وإليهم يعودون.

 إن هذه القنوات التلفزيونية المأجورة ما زالت تعلن في كل يوم :" أن ما بعد 17 تشرين ليس كما قبله". وهذ ا الإعلان صحيح، تؤكده الوقائع. فقبل17 تشرين 2019 كان اللبنانيون بخير إجمالاً. قيمة الدولار بالنسبة إلى العملة الوطنية كانت ثابتة ولم ترتفع، وأسعار السلع الغذائية كانت مقبولة، وكل شيء في حده الأدنى كان على ما يرام، والأمن كان مستتباً في جميع أرجاء الوطن. لكن بعد 17 تشرين صار معظم اللبنانيين على الأرض الدقعاء، وانقلب كل شيء رأساً على عقب، وتسلل الإرهاب من جديد إلى لبنان.