الإعلام المأجور والإعلام الحر في لبنان

  • article

يوسف زكريا

إن كل من لا ينفع لبنان بنافعة، وينتفع بما يضر غيره من أخواته وإخوته اللبنانيين، يتصدر اليوم شاشات فضائية مأجورة بصفته مقدم برامج سياسية أو مذيع أخبار أو ضيفاً، حتى غدت كل واحدة من هذه الشاشات كأنها ملك أو ساحة أو منبر لأي شخص خلع عذاره وأطلق يده في الشر وأولع بالسوء وتهافت على المنكر، وغالبا ما تكون آراؤه واهية الدلائل وليس فيها شيء من الحق ولا من ظله، وتتصف بالمماحكة والتعنت والمشاغبة والمغالطة.

ولذا يمكننا القول إن هذه الشاشات لم تعد منبراً لإعلاميين أحرار نزعوا عن المنكر ونأوا عن القبح وتشبثوا بالحقيقة والصدق والموضوعية، ولضيوف من اًصحاب السرائر الطيبة والسِّيَر الحسنة ومن جهابذة أهل العلم والمعرفة وذوي البصائر النافذة. 

إن هذا الإعلام المأجور يردد اليوم: لقد "صار الوقت" للإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد المستشري في جسم الدولة اللبنانية. إلا أن قدوره لا تجيش إلا على الإصلاحيين ولا تفور إلا  على الداعين إلى التغيير والمتمسكين بالإستقامة. وتراه ينفش عفريته ويتهجم على جميع أهل السلطة، أصالحين كانوا أم فاسدين، ويدّعي أنهم جميعاً يندرجون في سِلك منظومة فساد تقود لبنان إلى الإنهيار، ويطالبهم بالإستقالة من الحكم، ولا يستثني منهم أحداً، حتى رمز بلاده وفخامة رئيسه العتيد، وهو المعروف طيلة حياته بنقاء الثوب والسيرة والموسوم بالنزاهة والإستقامة، ولو تكلف غيرهما ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. اما قبلة رجائه الوحيدة منذ تسلمه الحكم، فكانت غايتها إنقاذ وطنه - الذي أحبه حتى العبادة - من أتون فساد العهود السابقة.

فبأي حق يتهم هذا الإعلام العهد الحالي ويتجنى عليه ويحدجه بجريمة عهد سابق رست خلال حكمه باخرة في مرفأ بيروت، وأفرغت حمولتها، التي هي عبارة عن مواد خطرة على السلامة العامة، في إحدى عنابره، وكانت السبب في نكبة العاصمة بيروت عند انفجارها؟ فهل يمكن الركون إلى إعلام كهذا وهل يمكننا الوثوق به؟! وهل يُلام العهد الحالي على كارثة ولدت في عهده، وقد حُبل بها في العهد السابق؟! على حد قول المثل الشعبي: "بتحبل بإسطنبول وبتخلف في جبل لبنان".

لكن لنفترض جدلاً أن ما يطالب به هذا الإعلام المأجور قد تحقق وظهر إلى حيز الوجود. فمن الذي يدير شؤون الوطن وشجونه وقد أطبق عليه الفراغ بعد استقالة السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ وهل أصحاب هذا الإعلام والذين يثقون بهم من غوغائيين ومتظاهرين وقطَّاع طرق قادرون على ذلك، وهم عاجزون عن إدارة إعلامهم بالحق، وبينهم وبينه بَون شاسع؟! إن لا مناص لهم في نهاية المطاف إلا الإقرار بتسليمه طائعين صاغرين لأولياء نعمتهم من حيتان المال، ولأسيادهم من ناهبي أموال الدولة والشعب، ليستمروا في عمليات نهبه حتى يشرف على التلف والزوال، وعندها يندمون ندامة الكسعي، و"لات ساعة مندم" لأنهم كسروا بتسرعهم وتهورهم وتبعيتهم قوس سلطة رابعة حرّة لم يؤمنوا بقوتها في بناء الأوطان على أسس العدالة والحق ومقارعة الباطل.