"لَهِيَ الْحَيَوَانُ"

  • article

أبو تراب كرار العاملي

 صَعُبَ الحال وتصلّبت المجريات الحياتيّة

انكمش الاقتصاد وانسدّت الآفاق النّقديّة

تهاوى سعر صرف العملة الوطنيّة

ارتفعت الأسعار وتقلّصت القدرة الشّرائيّة

الحلول غير متوافِرة إن أصرّ البعض على اتّباع مسالك أُحاديّة

والمخارج غير متاحة إن بقيت بعض الأذهان البشريّة تدور في فلك معيّن ومسار ضيّق

النّتيجة واحدة: لا انفراج حياتيّ في البَيْن

الهموم على حالها... بل إلى الازياد دُرْ

المعاش وتعب الجبين تُكَبَّلُ قدراتُهما

فيَخمد تأثيراهما بعد مُضِي نُزُر يسير من الشّهر

الحيلة قليلة واليد قصيرة

"فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ"

وعليه، قد يضطرّ المُواطِن للّجوء إلى خيار الابتعاد من غير رغبة لذلك

فتتهيّأ النّيّة ويُؤْخَذ القرار

فَتبدأ تجهيزات السّفر ليستعان به على الاستمرار في حياة فانية

اتّصال... حجز... هيّا أيّها القوم

مقلبٌ آخر... في الدّار ذاتها الماضية نحو الفناء

في "بقعة ما" من أرض اللّه الواسعة

يجتاز مرحلة عمريّة ويتخطّى أخرى تعليميّة

يبلغُ يسيراً من العلم... ولكن لا يكتفي (وهذا شيءٌ جيّد)

يقرّر الاستمرار والمُضي قُدُماً

فالعقل موجودٌ... بل متعطّش للمزيد

فَيُحْسَم الأمر بأن ينهل في مرحلة إضافيّة

ويضيف عليها حقبة لاحقة... وربما تمتدّ تشعّباً

فالعلم مَعينٌ لا ينضب... وكنزٌ دائم الإشعاع

والمتشوّق لتحصيله يأبى الخضوع لمانعٍ أو لآخر

والمتلهّف للاغتراف منه لا تمنعه شواغل كذائيّة وعوارض عابرة

إلّا أنّه يقرّر تغيير المكان وتبديل المقاعد

لعدم وجود الخيار في المَحَلَّة، للحصول على شهادة خارجيّة أو لأيّ سببٍ آخر

النّتيجة؟

شبيهة بالقسم الأوّل... وإن اختلف المُسَوِّغ

اتّصال... حجز... هيّا أيّها القوم

ماذا عن السّياحة ومتفرّعاتها كدافع للإقلاع؟

ولا تنسوا الزّيارات وأنواعها كسبب للتّرحال

والاستشفاء والدّوافع الصّحّيّة هي الأخرى قد تشكّل مُشَجِّعاً للمغادرة

وما حال التّنقّلات السّياسيّة والنّظر في أمور العباد؟

هي بدورها تتطلّب تنقلّات كذائيّة

نسأل اللّه أن تكون هادفة وتصبّ ـ فعلاً ـ في خدمة الخَلْق

وأن لا تُشَكِّل أعباءً فارغة على خزينة الدّولة

على العموم، طابع "المؤقّت" والمحدوديّة الزّمنيّة يغلب على الأمثلة الأخيرة

إلّا أنّه لا يلغي عنوان السّفر

من مكان دنيوي... إلى نظيرٍ له

فما النّتيجة؟

شبيهة بالقسمَيْن السّابقَيْن... وإن اختلفت المُسَوِّغات

اتّصال... حجز... هيّا أيّها القوم

قد تختلف الأسباب وتتشعّب، وتتنوّع المُسَوِّغات وتحضر الدّوافِع، وقد تدفع العوامِل أحدهم إلى التّفكير مَلِيّاً قبل أن يأخذ قراره بالانتقال إلى بقاع أخرى.

فإن صمد في مواجهة التّحدّيات الحياتيّة وثبت في ميدان الصّمود المعيشي... أو قرّر المغادرة، النّتيجة: سَفرٌ مؤقّت.

وإن أعجبه البقاء ومتابعة التٌحصيل العلمي المحلّي... أو استنسب شدّ الرّحال، النّتيجة: سَفرٌ مؤقّت.

وإن أراد الاكتفاء بالسّياحة الدّاخليّة، وتسوية أموره الصّحّيّة بالمتوفّر الوطني، ومجاراة متطلّبات الحكم وإدارة البلاد وقدماه ثابتتان على ترابها دون تخطّي الحدود... أو قرّر الانتقال، النّتيجة:

سَفرٌ مؤقّت.

فمع تعدّد الاحتمالات وتوفّر الخيارات، يكشف الواقعُ ثابتةً في البَيْن، راسخة وحقيقيّة، تقول مفرداتُها إنّ العامِل المشترك بين أنواع الأسفارالمختلفة ـ الٌتي مرّت بنا ـ هو أنّها مؤقّتة ولا تُخرجنا من هذه الدّار الفانية والدّنيا الدّنيّة.

سِمَةٌ أخرى تتّصف بها هذه الحياة، احتواؤها على عنصرَيْ اللّهو واللّعب:

[وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾]  (سورة العنكبوت).

فَعَيْنُ العاقِل، قلب المؤمن وتوجّهات ذوي الألباب النَّيِّرة واضحة ومُتَّزنة، لا تُخطِئ الطّريق ولا تَضِلّ السّبيل؛ التّزوّد لدار البقاء، المستقرّ الحقيقي والمآل الدّائم.

{﴿لهي الحيوان﴾ أي الحياة على الحقيقة لأنها الدائمة الباقية التي لا زوال لها ولا موت فيها، وتقديره وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان أو ذات الحيوان لأن الحيوان مصدر كالنزوان والغليان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والمعنى أن حياة الدار الآخرة هي الحياة التي لا تنغيص فيها ولا تكدير} [مجمع البيان في تفسير القرآن].

إِذاً أيّها العزيز

مَهْما تقلّبت بك الأحوال وكيفما دارت أمورك وسارت أوضاعك  وأينما حَلَلْت... وفي أيّ بقاع ترجّلت وإن كنت من الثّابتين في أرض الوطن

أو مَضَيْتَ مُهاجِراً في ميادين شتّى ، فطالما أنّك في هذه الدّار المحدودة  فالسّفر مؤقّت... والأجل قادم

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)] (سورة فاطر)

فلا تَغفَل عن طاعة اللّه... واتّباع أمره ونهيه

ولا تتجاهَل السّفر الحقيقي... والتّرحال المصيري

ولا تنسَ أنّ الدَّارَ الْآخِرَةَ "لَهِيَ الْحَيَوَانُ"

وللحكاية تَتِمَّة

[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]