محمد فقيه مُحدِّثاً "صدى المشرق": زادَ تقدير اللبنانيين لكندا وللمغتربين هنا

  • article

حسين حب الله

ما حدث في بيروت يوم الرابع من شهر آب لم يكن يوماً عادياً في تاريخ ​لبنان​، فقد حول انفجار مهولٌ قسماً كبيراً من العاصمة اللبنانية إلى مناطق منكوبة، مخلفاً آلاف الشهداء والجرحى. حدثٌ حرك الجالية اللبنانية في كندا التي تحركت منذ اليوم الأول للوقوف إلى جانب الوطن الأم وأهله المنكوبين. أول المبادرين كان التحالف اللبناني الكندي الذي بدأ "حملة تبرعات بهدف جمع مبلغ 2.5 مليون دولار على أساس أن تدفعَ الحكومة الفدرالية مبلغاً مماثلاً". كما أخبرنا الأستاذ محمد فقيه الذي أجرينا معه مقابلة حول هذه الحملة والمساعدات التي أُرسِلَت إلى لبنان.

محمد فقيه رئيس مجلس إدارة شركة مطاعم "بارامونت" الذي حركته الفاجعة فتوجه إلى لبنان للإشراف على المساعدات الكندية رغم ظروف وباء "كورونا" لأهدافٍ منها "التأكيد للكنديين أن أموالهم تصرف في المكان الصحيح. وهذا ما شجّعهم على المساهمة أكثر والتبرع"، كما قال فقيه لجريدة "صدى المشرق"، ليرتفع حجم التبرعات إلى 8 ملايين دولار قابلتها الحكومة الكندية بالمبلغ نفسِه.

كما أثمرت الجهود التي بذلتها الجالية اللبنانية مع الحكومة الكندية في رفع حجم المساعدات إلى لبنان من خمسة ملايين إلى ثلاثين مليون دولار مرشحة للزيادة في المستقبل. أيضاً أثمرت الجهود التي قامت بها الجالية في حثِّ المقاطعات الكندية على دفع مبالغ وصلت إلى أربعة ملايين ونصف.

فقيه تحدث "عن الجهود التي بذلها الوزيران غولد وشامبانْي وأيضاً أعضاء السفارة الكندية في بيروت، الذين تضررت منازلهم في بيروت بسبب الانفجار، فقد تضررت 23 شقة من أصل 29 من شقق أعضاء السفارة". وشدد فقيه على أن "تقدير اللبنانيين لكندا وللمغتربين هنا زاد بعد الانفجار. فكل اللبنانيين اليوم مرتاحون لأن كندا أثبتت جديتها من خلال ما قامت به السفارة والدولة الكندية، وعلى رأسها رئيس الوزراء ترودو". وأشار في حديثه إلى أننا "أرسلنا رسالة الى اللبنانيين مفادها التالي: صحيح أننا نعيش خارج لبنان ولكنكم في قلوبنا، وعندما يمسّكم الأذى فنحن إلى جانبكم. كما لفت إلى "أن الرسالة التي وجهتها الحكومة الكندية عبرت عن جديتها وأن لا مخططات خاصة خلفها". وإذ اشار إلى أن "تقدير اللبنانيين لكندا وللمغتربين هنا زاد بعد الإنفجار"، لفت الى ان "كندا مستعدة لمواصلةِ المساعدات وزيادتها.. ونحن كجالية لبنانية لا يمكننا أن نَفِيَهم حقهم جرّاء ما يقومون به".

  • بداية سيد محمد فقيه حدثنا عن التحالف اللبناني الكندي؟

بعدما وقع الانفجار في بيروت بادر الجميع إلى الاتصال بأهلهم للإطمئنان إلى سلامتهم. بعدها جرى اتصال بيني وبين رولا داغر، وكان التأكيد على أن نفعل شيئاً لبلدنا الأم. حتى لو لم يكن بلدنا، كان همنا دائماً أن نبحث عما يمكننا ان نفعله. في البداية كان النقاش بشأن التحرك على مستوى اللبنانيين واستخدام علاقاتنا وطاقاتنا، وتوسيع دائرة المشاركين معنا. بعدها شاركنا آخرون (مثل: شارل أبي سعد، داني عسّاف، صلاح بشير، يوسف حرب، تشارلز قبوط، وغيرهم) من مونتريال وهاليفاكس وغيرهما من المدن. كما أجرينا العديد من الاتصالات بسرعة مع الجالية وفي الوقت نفسه مع الحكومة الفدرالية وعدد من حكومات المقاطعات للبحث في هدف واحد: مساعدة لبنان بعد الانفجار بأكبر مبلغ ممكن. بدأنا معاً حملة تبرعات بهدف جمع مبلغ 2.5 مليون دولار على أساس أن تقوم الحكومة الكندية بدفع مبلغ مماثل، ولم نكن مدركين حينَها حجم الدمار.   

  • لماذا بدأت المساعدات الكندية إلى لبنان بأرقام متواضعة ثم تقرر زيادتها لاحقاً؟ هل كان لمؤسسات الجالية دور في الضغط على الحكومة أو هناك عوامل أخرى؟

أدَّى التحالف اللبناني الكندي دوراً كبيراً جداً. كما أدَّى أشخاصٌ من خارج التحالف دوراً آخرَ. عندما أعلنت الوزيرة كارينا غولد تقديمَ خمسة ملايين دولار إلى لبنان، قمنا جميعاً باتصالات لنؤكد أن المبلغ غير كافٍ. كما تواصلنا مع رئاسة الوزراء عبر أشخاص في التحالف اللبناني الكندي وقدمنا اقتراحاً إلى رئيس الوزراء بالتواصل مع اللبنانيين في كندا مباشرةً. رفعنا الصوت أمام العديد من المسؤولين الفدراليين والمحليين ولدى النواب وفي المواقع المختلفة، قائلين بضرورة لعبِ كندا دوراً أساسياً في لبنان يفوق التحرك الذي جرى في البداية، سيما أن في كندا 300 ألف لبناني، وفيهم من كبار رجال الأعمال وكبار أصحاب الشركات التي لديها آلاف الموظفين. بعد أول فيديو عن بيروت، دفع رئيس وزراء اونتاريو داغ فورد مليوني دولار، وفي بعض المقاطعات الأخرى أيضاً دُفِعَت مبالغ وصلت إلى اربعة ملايين ونصف. السيد ترودو طلب اسماء من الجالية للتواصل معها، وقد اختار قرابة عشرة أشخاص من التحالف اللبناني الكندي ومن غيره واستمع إليهم. في اليوم التالي أعلن ترودو رفع المبلغ إلى ثلاثين مليون دولار وارتفع المبلغ الذي يمكن ان تقابله الحكومة من مليونين إلى خمسة ملايين دولار. 

  • ما الذي دفعك لترك أعمالك والتوجه إلى لبنان. هل اختارتك الحكومة الكندية أم كانت مبادرة منك؟

المبادرة بدأت مني. كنت على اتصال دائم مع وزير خارجية كندا الذي يحب لبنان كثيراً وهو مهتم كثيراً لما جرى هناك. لديّ علاقات مع أشخاص في الحكومة من قبل أن يتخذوا مواقعهم الحالية. أبلغت الحكومة أني ذاهب الى لبنان. طلبت منهم التأييد والدعم وهم أرادوا ان يكون هناك عمل على الأرض ليثبتوا جدية كندا. حديثي معهم كان بشأن الصورة الكبيرة التي تملكها فرنسا بالرغم من تَبيِيتها المخططات، بينما كندا لا تملك هذه المخططات، وعلينا الترويج للتدخل كطرف صادق ودعم الأطراف التي تريد التدخل من دون مخططات معينة. الشعب اللبناني لم يكن بحاجة فقط للمساعدة المادية، بل لِتلقي المساعدة من طرف يشعر معه بالأمان، وكندا إحدى الاطراف التي يمكنها أن تلعب هذا الدور بشكل جيد، بينما هناك بلدان اخرى لها مصالح معينة لا تعطي هذا الأمان.   

هنا سؤال يطرح نفسه: هل كندا تقوم بهذا الدور وتقدم هذه المساعدات من دون مقابل، أم هناك خلفيات سياسية، سيما ما طرح عن سعي كندي لتوطين الفلسطينيين في لبنان وما شاكل كما يُشاع عن دول أخرى؟

بحسب معلوماتي وصداقتي بالأطراف داخل الحكومة الكندية ـ ولست هنا الناطق الرسمي بِاسم الحكومة الكندية ـ وما رأيته على الأرض، فهذا الأمر غير صحيح. منذ اليوم الأول للإنفجار، حتى قبل ذلك، ولغاية هذا اللقاء بيننا، لم يحدث أن موظفاً من طرف الوزراء او ترودو او السفارة في بيروت تطرق إلى ما تريده كندا او ما يخدم خطة ما للمجتمع الدولي. بل بالعكس، كانوا دائماً يؤكدون ضرورة الإستماع الى الشعب اللبناني، وهذا ما نقله وزير الخارجية الكندي إلى رئيس الجمهورية اللبناني. زيارة الرئيس الفرنسي إلى لبنان واجهت اعتراضات في الشارع اللبناني من خلال المظاهرات، بينما زيارة الوزير شامباني إلى بيروت كانت موضع ترحيب. كما عرض مساعدات في لقاءاته بشرط تحقيق الإصلاحات والاستماع الى مطالب الشعب. لنكن واضحين، منذ الانفجار حتى اليوم، في كل المحادثات التي جرت مع المسؤولين، لم يُسأَل إلا عن سبل مساعدة الشعب اللبناني. واؤكد انه ولا باي لحظة تحدث معي أحد من المسؤولين في الحكومة او سمعت او عرفت ان وزير الخارجية يريد اثارة موضوع توطين الفلسطينيين .       

  • ما هي طبيعة هذه المساعدات: مالية أم غذائية؟ أم ماذا؟

حجم الدمار الذي حدث أكبر من أن نتحدث بعد ثلاثين يوماً على وقوعه إلى اين ذهبت الأموال. في البداية كان المطلوب ان تُصرَف الأموال في مجالَي الإغاثة والإنقاذ وتنظيف آثار ما وقع، فرائحة الدم كانت لا تزال تفوح من مكان وقوع الكارثة حتى اليوم الأخير لوجودي في بيروت. المرحلة الثانية كانت تأمين المواد الغذائية وهذه مشكلة كانت موجودة من قبل، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان ولا تزال. تُضاف إليها المشاكل السياسية ومشكلة "الكورونا" ومشكلة أموال المودعين في المصارف، فقدرة المواطن على التحمل باتت تحت الصفر. لذا كان من المهم الحفاظ على سعر الرغيف مثلاً. لذلك كندا كانت إحدى كبار المشاركين في "البرنامج العالمي للغذاء"، وهي أحضرت بواخر الطحين لتساهم في الحفاظ على سعر الرغيف كي لا تجوع الناس. لذا كان لا بد أن لا نركز فقط على الغذاء، بل ان نقسم جهودنا ونعمل على ايجاد مركزية للعمل حتى نقسِّم الاموال والمساعدات على المناطق المختلفة لتوزع بطريقة أفضل وتصل الى الجميع.

هناك حاجة لترميم بعض الابنية لإيواء العائلات المتضررة لتتمكن من النوم في بيتها.  والمرحلة الثالثة هي إعادة الاعمار. وهنا ألفت إلى أننا إن أردنا بناء برج في مونتريال فالأمر سيستغرق شهوراً طويلة، فكيف إذا اردنا ان نعمل في منطقة مدمرة فيها مناطق اثرية ومؤسسات تجارية وأبنية سكنية؟ كما ان هناك مرحلة رابعة مكملة للمرحلة الثالثة وهي النهوض بالاقتصاد ودعم الشركات الصغيرة لتتمكن من العودة الى العمل والانتاج. فتعليمُك  المرءَ الصيدَ أفضلُ من تقديم السمكة له. 

كندا اوضحت انها مستعدة لِمواصلة المساعدات وزيادتها. وهذا ما تأكد من خلال تصريحات للوزيرة كارينا غولد والوزير فرانسوا شامبانْي. وهنا اسمح لي أن اقول اننا كجالية لبنانية لا يمكننا ان نَفِيَهم حقهم جراء ما يقومون به، وأقول هذا لِما أعرفه بشأن الجهود التي بذلها الوزيران، وأيضاً اعضاء السفارة الكندية في بيروت الذين تضررت منازلهم بسبب الانفجار، أي 23 شقة من أصل 29. 

عند وصولي الى بيروت التقيت اعضاء السفارة. كان عندهم خوف - كما كل اللبنانيين، لا سيما من وباء "كورونا"، إضافةً إلى الاضرار التي اصابت منازلهم، ما اضطرهم الى السكن في الفنادق. بالرغم من ذلك، تواجدوا على الأرض وكانوا حريصين على مساعدة اللبنانيين كما لو انهم منهم. كل طاقم السفارة الكندية وقف إلى جانبنا ويستحق منا كل التقدير. عندما كانت احدى النساء تشكو إلينا ما جرى وتطلب ان ترافقني "في الشنطة" إلى كندا، كان احد مسؤولي السفارة إلى جانبي يستمع اليها ويبكي كما أنا. وكانت مشاهدات رائعة، فقد وفدَ المتطوعون من المناطق المختلفة لمساعدة المتضررين.

 قلتم ان زيارة ماكرون واجهت اعتراضات هناك.. كيف وجدتم رد فعل اللبنانيين إزاء الدور الكندي؟

لكل مصيبة تحدث جوانبُ سلبية كبيرة، ولكن أيضاً جوانب ايجابية، سيما طريقة التعاطي مع الحدث. أقول لكل المغتربين في كندا: أنا متأكد أن تقدير اللبنانيين لكندا وللمغتربين هنا زاد بعد الانفجار. كل اللبنانيين اليوم مرتاحون لأن كندا اثبتت جديتها من خلال ما قامت به السفارة والدولة الكندية، وعلى رأسها رئيس الوزراء ترودو ومن خلال ما قمنا به كلبنانيين مباشرة بعد الانفجار. وهذا ما شعرنا به من خلال تواجدنا على الأرض وجولاتنا على المناطق المتضررة ولقاء ناسِها. أرسلنا رسالة الى اللبنانيين مفادها: صحيح اننا نعيش خارج لبنان ولكنكم في قلوبنا، وعندما يمسكم الاذى فنحن الى جانبكم. وجهنا رسالة صارخة مفادها أن وجودنا خارج لبنان يمكن ان يساعد كثيراً. أما بالنسبة لِلحكومة الكندية فالمهم ان الرسالة التي وجهتها عبرت عن جديتها وعن غياب أي مخطط خاص لديها.     

  • كندا أعلنت أنها ستسهل هجرة الذين تدمرت بيوتهم في التفجير إليها، هذا في الوقت الذي فقد فيه كنديون كُثر وظائفهم بسبب تداعيات الوباء التاجي، خاصة مع إقفال الكثير من المؤسسات نهائياً... سؤالي هو: هل ترى أن خطوة استقبال اللبنانيين المتضررين يمكن تحقيقها عملياً؟وهل سيتقبل المجتمع هنا الأمر؟

 هذا سؤال مهم جداً. لليوم لم نسمع اي اعتراض او سؤال مثل: لماذا تدفع كندا للّبنانيين هذه الملايين التي تجاوزت حتى اليوم 35 مليون دولار؟ وهو ما وضع كندا بين الدول الخمس الأولى لجهة المبالغ التي قُدمت إلى لبنان حتى اليوم. وهي مساعدات نابعة من حب المغترب الكندي لوطنه ومن حب الحكومة الكندية للمغترب اللبناني الكندي. وهنا أذكّر بما قاله رئيس الوزراء بتغريدة له: أشار الى ان اللبناني الكندي بنى كندا معنا وترك بصماته في ما باتت كندا عليه اليوم. وبعد اتصالات مع رجال ونساء اعمال كنديين لبنانيين زاد ترودو حجم المساعدات 25 مليون دولار.

بالنسبة للهجرة من الصعب ان تقنع الحكومات الأجنبية بأن الحل لمشكلة الحرب في بلد ما هو الهجرة.

واود ان اشير هنا الى ان وزير الهجرة الكندي ماركو مندسينو ـ وهو شخص قريب منا واعرفه من قبل ان يكون وزيراً ـ وضع موظفين من كندا في خدمة السفارة في بيروت لتسريع معاملات اللبنانيين التي كانت عالقة. ثم قامت الوزارة بخطوة لجمع الشمل.

  • بالنسبة لِلتبرعات التي جُمِعَت، هل كانت أكبر الحصص من الجالية اللبنانية في كندا أم من غيرها؟

من خلال خبرتي في مجال التبرعات، سواء بعد سقوط الطائرة الأوكرانية فوق ايران او مسألة المهاجرين السوريين، وقضايا المشردين، وغير ذلك، اود ان أُبيَّن مسألة مهمة: توجهي الى بيروت كان لِثلاثة أهداف:

الأول هو ان نوجّه رسالة الى اللبنانيين: كمغتربين، قلبنا معكم، وهذا ليس كلاماً فقط. فالشعب اللبناني تعب من كثرة الوعود والكلام. وعندما نزلنا الى الارض تأكدوا ان هناك عمل جدي. رسائل التضامن التي وصلتني في أثناء تواجدي في بيروت تجعل كل لبناني يفتخر بخطوة النزول الى الأرض.

الهدف الثاني: كانت الرسالة قوية للكنديين، الذين يسمعون عن بلدٍ فيه الكثير من الفساد: هناك من يثقون به على الأرض للتأكيد لهم ان اموالهم تُصرف في المكان الصحيح. وهذا ما شجّعهم على المساهمة اكثر والتبرع.

المسألة الثالثة: من الصعب جداً ان تبقي مسألةَ لبنانَ حديثَ الاعلام والقنوات التلفزيونية وقتاً طويلاً. اهم مسألة تساهم في جمع التبرعات هي البقاء في الاعلام أمام أعين الناس. نزولي إلى لبنان ساعد في اهتمام الاعلام بالحدث، بعكس ما قد يظنه البعض: "محمد فقيه اراد ان يظهر في الاعلام وحدَه". المسألة ليست كذلك أبداً. وكان من المهم ان نُبرِز في الاعلام اللبناني نزول محمد فقيه والسفارة الكندية ووزير الخارجية الكندي إلى الأرض لنؤكد ان هناك من يقدم المساعدة بشكل كبير ومِن موقع الحب - ليس إلا ذلك.

من خلال خبرتي اقول ان وجود اشخاص موثوقين على الارض مدعومين بالجهود التي بذلت في كندا من كل اللبنانيين كل ذلك ادى الى ان ترتفع قيمة التبرعات الى أكثر من ثمانية ملايين دولار . كان من المهم جداً ان نبقي المسألة في الإعلام الكندي لأطول مدة ممكنة.وكان من المهم ان نضع العلم الكندي على الشاحنات التي توزع المساعدات. كما كان من المهم ان نؤكد ان هناك من يريد ان يقدم دون مقابل.

  • المساعدات تمت من خلال المنظمات غير الحكومية .. ما المانع من التعاون مع الجيش اللبناني مثلاً - وهو مؤسسة لا غبار عليها - لضمان وصول المساعدات الى جميع المواطنين؟

عادة من يريد التبرع هنا يطلب وصلاً ضريبياً. ومن المفروض تواجُد منظمات غير حكومية معترف بها حتى تسهل الحكومة الأمر وتدفع مقابل ما يُجمع من التبرعات. ولو لم نقُم بذلك لَحَرمنا أَهلنا في لبنان ان تدفع الحكومة دولاراً مقابل كل دولار يُقدَّم. وكان الكثير من الكنديين سيحجمون عن التبرع لأنهم ما كانوا ليَحصلوا على وصل ضريبي. أيضا الكنديون هنا لا يريدون ان تُثار يوما ما قضية يُشكَّك من خلالها في وصول اموال الكنديين الى منظمات حزبية موضوعة على لوائح معينة بدلاً من مستحقيها. كان من المهم ان تتأكد الحكومة من وجود طرف موثوق به يتحمل المسؤولية للعمل ضمن القوانين الكندية للجمعيات الخيرية. تصور لو لم تقابل الحكومة الكندية تبرعاتِ الصليب الاحمر بأي سنت رغم أننا والصليب الأحمر جمعنا ثلاثة ملايين دولار. طبعاً الجيش اللبناني له كل الثقة، وهو يساعد هذه الجمعيات الكندية. فهو ساعد الصليب الاحمر، مثلاً، في نقل مُعدات تابعة له.

إنما ان ينزل الجيش ويتولى توزيع المساعدات، فمن يمكنه محاسبة الجيش اللبناني هنا اذا ارتُكِبَت أخطاء معينة في التوزيع؟ بينما الجمعيات الكندية يمكن محاسبتها لو تبين يوما ما انها أخطأت في عملها.

  • هناك شكوى بشأن كَونِ بعض المناطق المتضررة لم تصلها المساعدات، فما تعليقك؟ فقد قيل ان المشاهد المصورة التي نُشرت عن نشاطكم بدا فيها أنكم ركزتم حضوركم في مناطق جغرافية معينة. هل هذا بتوجيه من الحكومة الكندية او يعود لأسباب اخرى؟

هذا الأمر غير صحيح أبداً. من اول يوم وصلت فيه الى بيروت، كان الحديث ان هناك مناطق نالت اهتماماً اكثر من مناطق أخرى.

أولا لم نترك منطقة لم نزرها، والتقينا بِالسكان واستمعنا إلى معاناتهم. وأصرّ على أن الزيارات بحسب توزيع المناطق جغرافياً وطائفياً شملتها بالنسبة نفسها مئة في المئة. هذا الحديث حرام. هناك من يريد ان يتناسى الخطر الناجم عن وجود ستمئة حالة كورونا يومياً في لبنان، ومع ذلك لم يمنعنا وطاقم السفارة من التواجد على الأرض. وهناك من يحوّل المسألة الى مسألة طائفية، كما يُتحدَّث عن نظرية المؤامرة التي لا تزال تعيش في داخل الكثير من اللبنانيين. اؤكد لك ان الأمر المطروح غير صحيح أبداً.

لم يطلب احد مني في السفارة الكندية الدخول الى هذه المنطقة او تجنب تلك المنطقة. ثم لم يكن في وارد احد في السفارة ان يكون الاهتمام بمناطق المسلمين على حساب مناطق المسيحيين او العكس. بل دخلنا الى كل المناطق حيث كنا نعمل 22 ساعة في اليوم مدة خمسة أيام. ألْفتُ الى امر مهم وهو ان توقعاتنا يجب ان تكون ضمن المعقول. فاصلاح حمام يتطلب شهرين ونصف، فكيف بدمارٍ بهذا الحجم؟

  • ماذا يمكن فعلُه للشاكين من غياب المساعدات؟

إن تواجدت في هذه المنطقة الجمعياتُ التي تقدم المساعدات الكندية، يمكن مراجعة المسؤول عنها ورفع الشكوى اليه. ويمكن تزويد من يريد تقديم الشكوى بعنوان الجهة المختصة بهذه المسألة.

  • ما هو المشهد الذي أثر فيك بشكل كبير في بيروت؟

مشهد المرأة التي بقيت تحت الأنقاض تسعَ ساعات وماتت أمام اعين زوجها وابنهما العاجزَين عن مساعدتها وإزالة الأنقاض عنها. وفي النبعة شاهدت امرأةً تسكن في غرفة واحدة مع بناتها الأربع المتزوجات، وليس إلى جانب الغرفة إلا حمام واحد. شعرت أنني بعد عودتي الى المنزل سوف اغضب من اولادي اذا سألوني عن اي شي يتعلق بلون غرفتهم او شكل السرير او ما شاكل. عاينت مشاهدَ سيئة جداً لم أشاهد مثلها في حياتي. كُثُر يحتاجون الى المساعدة وعلينا المساعدة، لا الاكتفاء بالكلام.   

  • هل يمكن لخط النقل الجوي للمساعدات من تورنتو الى بيروت مباشرة ان يعاود طرح تسيير خط طيران مباشر لنقل المسافرين بعدما ألغي عامَ 2004 بسبب الضغوط الخارجية؟؟

لا معلومات لدي. ولا اعتقد ان الامر الآن من الأولويات بالنسبة إلينا. قد يكون من المهم إثارته في المستقبل.

  • هل لديك عودة قريبة؟

اكيد. هناك مشروع نعمل على انجازه. نحاول ان نقنع الحكومة الكندية بزيادة خمسة ملايين دولار تُخصص لدعم الشركات الصغيرة المتضررة من الانفجار. كما نحاول توسعتها لتشمل شركات كانت متضررة قبل سنتين من الانفجار. مثلا، نؤمِّن لِمحل حلاقة خسر كراسيه له 3 آلاف دولار مباشرة، لا عن طريق المصرف لمساعدته في الانطلاق مجدداً وتأمين فرص العمل للبنانيين. كذلك الأمر مع شركات أخرى مثل مكاتب السياحة وغيرها. هذه المسألة قد تأتي بعد أن نرى كيف سيُعادُ بناء ما تهدم بفعل الانفجار.

  • أي دور تستطيع الجالية اللبنانية الكندية تقديمه؟

لبنان بحاجة للمساعدة اليومَ ومستقبلاً، ولكن بحاجة أكبر إلى المساعدات المختصة. هناك طائرات شحن مباشرة يُرسِل المساعدات على متنِها اشخاص مثل عباس محمود ومحمود مريج. مثلا مؤسسة مثل "لبنان قوي" (Lebanon Strong) أمنت مستوعبَ مساعداتٍ لفوج الإطفاء بعد ان تواصلت مع الفوج وعرفت ما يحتاجه. وايضا أُمِّنَ مستوعب لإحدى المستشفيات التي تقدم المساعدات لمرضى "الكورونا". على اللبنانيين التواصل مع رؤساء البلديات والنواب في المقاطعات والحكومة "الفدرالية" للحصول على المزيد من المساعدات لِلبنان في المجالات التقنية المختلفة وغيرها. بعد مساعدة الخمسين مليون لا ينبغي ان ننام على الحرير ونكتفي، بل علينا ان نشحذ الهمم لتأمين المزيد من الدعم للبنان.

  • أخيرا ما هي رسالتك للجالية في كندا؟

اولا اريد ان اعزّيهم جميعاً لِما جرى، وأشكرهم على وقفتهم جميعا الى جانب لبنان سواء بالمال، او عبر دعوة الناس للتبرع في شركاتهم او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. انا اتشرف كثيراً بالدور الذي لعبته الجالية اللبنانية الكندية لدى الحكومة الكندية، والدور الذي لعبته امام اهلنا في لبنان، حيث كانت فرصتنا ان نثبت لهم اننا نحبهم بطريقة حقيقية، لا عبر كلام عابر. اتمنى ان نبقى كذلك دائماً.  

 

معرض الصور