بعد أربعين عاماً من الافتراق: حيدر وأحمد يلتقيان في بغداد

  • article

سلام الموسوي ـ مونتريال

 ‏تبدأ أحداث هذه القصة الحقيقية في شهر أيلول عام 1980، عندما قامت السلطات القمعية الحاكمة في العراق آنذاك باعتقال عائلة كاملة، بمن فيها: الطفلان حيدر الموسوي (ذو السنوات الأربع) وشقيقه أحمد (عمره سنتان) بالاضافة إلى والدهما السيد جواد ووالدتهما وأقرباء آخرين. وأُودِعوا في سجون الحكم البعثي الرهيبة بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة. وقد تدخلت العناية الإلهية آنذاك، فتمكنت جدتهما من دخول السجن الرهيب لتقوم بتهريب الطفل حيدر تحت عباءتها، ثم قام الحكم الظالم بعد ذلك بإعدام بقية المعتقلين.

‏إلا أن البقية الباقية من العائلة، خاصة حيدر الذي هُرِّبَ، ظل متأملاً أن شقيقه لم يُقتَل، فلم يُعثَر على وثائق تؤكد إعدام شقيقه، لتتسارع الأحداث قبل أسبوعين تقريباً كالتالي:

‏نشر السيد حيدر الموسوي شقيق أحمد على صفحته الشخصية في الفيس بوك منشوراً يذكر فيه قصة إعدام عائلته وذكر أسماءهم بالكامل، ونشر صورة أخيه أحمد الذي كان طفلاً صغيراً آنذاك. انتشرت قصتهم كالنار في الهشيم لأنها تذكر الناس بالماضي الذي يقول عنه البعض إنه كان جميلاً! وكان مفادها للتذكير بما حدث فقط، وما ذنب الصغار إذا كان الامر سياسياً، فهُم أطفال ولا يفقهون من السياسة شيئاً.

‏وقبل عشرة أيام تقريباً، إتصلت احدى النساء (كانت قد شاهدت صورة الطفل أحمد في المنشور) بأحد أقارب السيد حيدر لتزف إليهم الخبر الصاعق أن أحمد حي يرزق وأنها هي من قام بتربيته طول هذه الفترة! وقد شرحت لهم الأحداث وقالت أن طفلين أحدهما بعمر السنتين والآخر بعمر السنوات الخمس تقريباً عُثِرَ عليهما ملقيين في أحد شوارع منطقة الكرادة في بغداد أواخر عام 1980، وعليهما بعض الكدمات والاصابات لم يُعرَف مصدرها، ليتم نقلهما إلى مركز الشرطة، حيث تكلم الطفل الاكبر وقال أن اسمه فراس وأن الطفل ذو السنتين اسمه أحمد وهو ابن جيرانهم. وكما جرت العادة آنذاك، فقد اقتِيدَ الطفلان إلى دار المختار في المنطقة لحين العثور على أهاليهما. وقد أنزل الله محبتهما على قلب المختار الذي تبناهما بشكل غير رسمي، فلم تكن لهما أي أوراق ثبوتية، وبعد أن عُجِزَ عن التعرف إلى أهاليهما

‏ومرت أربعون سنةً من الفراق القسري، وتم اللقاء المرتقب بين الشقيقين السيدين حيدر وأحمد يوم السبت 03-10-2020، لتختلط دموع الحزن بدموع الفرح.

‏وكذلك فقد عاد فراس إلى أهله بعد أن أعدم النظام القمعي أمه وأباه وعمه وسبعة من أرحامه. عاد فراس ليحكي للتاريخ إجرام اناس لم يفقدوا الانسانية فحسب، وانما اناس بصموا بالدم على جرائمهم، فهو ما زال يتذكر المشهد الذي لا يفارقه. وسيؤجل أهله الاعلان والفرحة إلى ما بعد الأربعين.

‏قصة واحدة من آلاف القصص الواقعية والأليمة من حقبة الحكم القمعي: أدعو الجهات المعنية بالتاريخ والاعلام للاستفادة منها لإنتاج المواد الإعلامية الفنية كالأشرطة المسجلة (الأفلام) والمسلسلات والبرامج الرقمية وغيرها لتوثيقها شاهدةً على فترة مظلمة ونظام قمعي حكمَ المنطقة بالحديد والنار.

‏رحم الله الشهداء وأسكنهم فسيح جنانه، وألهم أهاليهم جميلَ الصبر والسلوان.

 

 

 

معرض الصور